Chapter 39 · سنوات الصقيع البطيء
لم تأتِ السنون بضجيج الأبواق، بل تسللت إلى البيازين كما يتسلل الصقيع البطيء الذي يقسّي قشور الرمان قبل هطول أمطار الشتاء. تتابع مرسوم إثر مرسوم حتى أخذ حبر الإعلانات العامة يتقشر فوق القرارات الأقدم منها. ذهب أولاً لساننا الذي نتخاطب به علناً، ثم هيئة عباءاتنا وطريقة خياطتها، ثم أُغلقت الحمامات الممتدة على طول نهر حدره بألواح الخشب وخنقتها الأعشاب الضارة. وصار أعوان السلطة يذرعون الأزقة الحجرية مثنى مثنى، تقعقع أحذيتهم الثقيلة فوق حجارة الطريق، مسترقين السمع عند بوابات خشب الأرز لعلهم يلتقطون نبرة صلوات محرمة أو حفيف رِقٍّ يُقلَّب.
ومع ذلك، ظل الحجر داخل جدراننا صامتاً. كان سعد يقف تحت عتبات خشب الأرز المتينة في خزانة كتب الجد، تسند منكباها العريضان صمت الدار. كان يمشي بخطى هادئة ومحسوبة كمن يعلم أن كل حركة داخل الصحن مرصودة وموزونة. لم يعد يذرع الرواق بذلك الغضب القلق الذي دفعه يوماً للخروج من مالقة، بل كان يمشي واضعاً يديه داخل كمّيه، وترتفع عيناه بتؤدة لتتفقدا مغاليق الحديد على باب الزقاق، ومزلاج صهريج الماء، والملاط الذي يحكم إغلاق ألواح الأرضية تحت البسط.
قال سعد بصوت خفيض وهو يقترب ليقف بجوار المغسلة الحجرية حيث كنتُ أفرك الزعتر المجفف وأفصله عن عيدانه الهشة: «كان كاتب العدل من الشانشيليريا عند الزاوية السفلية هذا الصباح».
الفصل 39 مقفل
افتح كل الروايات المصورة
قصص مع مشاهد مصورة وموسيقى تصويرية.
✓ وصول فوري✓ دفع آمن عبر Stripe✓ إلغاء سهل عبر الإنترنت
متابعة القراءة · ٤٩٫٩٩ ر.س/شهر ←٤٩٫٩٩ ر.س اليوم · يتجدد شهرياً · ألغِ في أي وقت