Chapter 4 · صمت عند الطاحونة
كان درس القصبة الجافة لا يزال عالقاً في أصابعي حين توقفت المطارق.
توقفت واحدة تلو الأخرى؛ الدولاب العلوي أولاً، ثم الاثنان من تحته، حتى لم يعد في الطاحونة صوت ينطق سوى نهر حدره وهو ينساب فوق السد ببروده المعتاد. كنت أحفظ ذلك الإيقاع كما أحفظ نبض يدي. فحين تسكن المضارب في كبد الضحى، لا تكون الطاحونة مستريحة، بل تكون مصغية.
كنت في سقيفة التجفيف والأوراق منشورة على حبالها، ويداي رماديتان حتى الرسغين، ودفترَا جدّي ملفوفان في قماش عند قدميّ، فقد كنت أنا من يبعثني لإحضارهما، وأنا من سيبعثني ثانية. ومن النافذة رأيتهم يهبطون الزقاق عابرين المدابغ: رجلان على بغلين وأربعة يمشون على أقدامهم، وشمس الضحى تنعكس ميتة على ختم معدني يُحمل أمام البغل الأول كأنه قنديل.
نزلت الدرج الخارجي ضامة الدفترين إلى صدري، والقماش مسدول فوق شعري ومعقود عند نحري. وعند أسفل الدرج أخذ المعلم الدفترين من يدي وأرجعني بذراع واحدة خلف ظهره، وما إن بلغ الراكبان البوابة حتى كان قد سد المدخل بوقفته، وإن كان قد خسر الحجة في قرارة نفسه قبل أن يبدأ.
لم يترجل أكبر الرجلين ليكلمنا، بل أخرج ورقة وقرأ منها بالقشتالية بصوت متأنٍ، كما يقرأ المرء ما لم تخطه يده: طواحين باب الرملة، وجميع حجج التجار المحفوظة فيها، تُسلَّم إلى ديوان الإنشاء الملكي في غضون عشرين يوماً لإقرارها والتصديق عليها.
«طاحونة من هذه؟» قالها حين فرغ.
ذكر المعلّم اسم جدّي. والاسم متى نُطق في فناء، صار كأنه وُضع فيه وثَبَت، فالتفت المشاة الأربعة برؤوسهم يتفحصون الدار والاسم يثبت فيها.
خرج جدي حينها من حجرة الحساب متوكئاً على عصاه، ووقف في باحته، فتراجع المعلم إلى الموضع الذي كان يحميه. نظر الجابي إلى الأحواض، وإلى اللباد، وإلى الأكوام الرطبة تحت ألواحها، ثم التفت إليّ، ورأيته يقرر في نفسه أنني مجرد طفلة في فناء ولست عقبة في طريقه.
قال جدي: «تصديق؟ إنها كلمة لطيفة للنسخ».
رد الجابي: «التاج لا يأخذ، التاج يصدّق فقط».
«إذن لن يمانع التاج في تصديق ما لا يحوزه بين يديه».
كان الكاتب قد فتح لوحه آنذاك. رمقته وهو يخط بقلم العفص والحديد، الحبر الجيد الداكن، وفكرت: بعد مئة عام ستظل هذه اليد تأكل حروفها من الداخل، ولن يستطيع أحد أن يجزم إن كان الاسم القابع تحت البقعة اسمنا أم اسم غيرنا.
قال الجابي: «كل الحجج. إما أن يأتي بها التجار، وإما أن تبقى عقودهم بلا تصديق».
قال جدي: «التجار في مالقة والمرية هذا الأسبوع، وحججهم في الصندوق. فأينا تريد أن تلزمه بما يحفظه رجل في صندوق مقفل؟»
أجاب الجابي: «أنت. فقد أخبرتني لتوك أنه صندوقك».
كان أسرع بديهة من ورقته. أقررت له بذلك في سري، ولم أعطه شيئاً سواه.
أخرجوا شريطاً من ورق وطاسة شمع. كان الصندوق يقبع في حجرة الحساب أسفل السقيفة، مصفحاً بالحديد، أقدم من دولاب الطاحونة العلوي. فمدوا الشريط فوق القفل وختموه، وضغطوا الختم حتى برز أثره ناتئاً من الشمع، بتأنٍ يشبه تأنّي الخباز.
ثم دخل رجل مالقة من البوابة.
لم يكن في عجلة من أمره، ولم ينحنِ لأحد. مشى حتى وسط الباحة ووقف، ولم ينبس ببنت شفة، فطأطأ المشاة الأربعة رؤوسهم يفتشون عن شيء في التراب، ونكّس البغلان رأسيهما، وهبطت ورقة الجابي قيد أنملة دون إذنه. رأيت المطر يفعل ذلك بأكتاف الرجال، لكني لم أرَ قط رجلاً يفعل هذا برجل قبله.
قال: «أعِد القراءة».
التفت الجابي نحوه.
قال رجل مالقة: «اقرأ الختم مجدداً. جهراً، وعلى رؤوس الأشهاد. عندي دكان، وأحب أن أعلم ما يُكتب عن دارٍ أبيعها الورق».
وفعل الجابي ذلك، إذ كان في تلك الباحة ثلاثون شاهداً، والختم المنطوق جهراً لا يُبدل لاحقاً دون أن يذكره ثلاثون رجلاً. تلا كاتبه الكلمات بالقشتالية أولاً، ثم قرأها بالعربية قراءة ركيكة، يتعثر في الحروف كمن يخطو على درج غريب لم يألفه. تحرك فم المعلم في شبه ابتسامة، ولم يضحك أحد.
وحين مضوا صاعدين في الزقاق، جاءت المرأة التي تفرز الخرق ووقفت إلى جانبي، وسألتني عما سيحدث الآن.
قلت: «الآن صرنا داراً مكتوبة مقيدة»، وكانت تلك عبارة جدي لا عبارتي.
كان رجل مالقة لا يزال واقفاً في وسط الباحة. تأمل شريط الورق ملياً، ثم فعل ما لم أكن أنتظره منه: وضع كفه منبسطة على غطاء الصندوق، لا على الختم، وأبقاها هناك، كما يُثبت المرء طاولة اهتزت من صدمة.
قال: «ما أخذوا شيئاً».
قال جدي: «أخذوا العشرين يوماً».
أومأ الرجل برأسه إيماءة واحدة، وخرج عائداً من البوابة دون أن يزيد كلمة. وبقيتُ حيث أوقفني المعلم، ويداي رماديتان، وأدركتُ الغاية التي كُتب لأجلها دفتر جدي طوال عمره. فالقصبة الجافة لا تكتب ما يبقى، أما القصبة الرطبة فتخط اسماً يعيش بعد أن تفنى اليد التي حملتها، ويعيش بعد الرجل الذي تمنى لو انمحى ذلك الاسم وزال.