رجوع

ثلاثية غرناطة

Chapter 42 · المنعطف الأخير

ارتطم خشب الأرز الثقيل لبوابة الزقاق بالقائم الحجري في دويّ مكتوم وحاسم، أسكت همهمات الجمع المحتشد على منحدر البيازين. وقفوا في ضوء الفجر الشاحب؛ جيرانٌ أشاحوا بوجوههم، وأعوانٌ مسلّحون يترقبون رجفة انكسار، أو استعطافاً، أو عويل نساءٍ جُرّدن من سقوف أجدادهن. غير أننا لم نبذل لهم صوتاً ولا دمعة.

خطا عليٌّ نحو العتبة المفتوحة أمامهم، منتصب القامة مشدود الظهر، وقد اشتدّ فكّه بوقارٍ حازم لا يلين من هيبة دم أبي جعفر. لم يلتفت للأعين المتربصة ولا لابتسامة السخرية الوقحة من الضابط الواقف عند السبيل. مدّ يده إلى ثنايا عباءته، وأخرج المفتاح الحديدي الطويل؛ ذلك المفتاح الثقيل المطروق الذي حفظ فناء بيتنا في أحلك العهود، وعبر ليالي سهر سعد الصامتة، والسرداب المحكم تحت البلاط الحجري حيث رقد إرث عائلتنا دون أن يمسّه سوء.

بتؤدة وتأنٍّ لا عجل فيه، أدخل عليٌّ الحديد في القفل. فدارت مزالجه بصريرٍ حادّ ثقيل تردّد صداه في الزقاق الضيق كأنه قضاءٌ مبرم. أداره مرّة، ثم أتبعه بأخرى، ليغلق خشب الأرز بإحكام عن الدنيا وما وراءها.

وحين استقرّ المفتاح في موضعه، نزعه عليّ، فانطبقت أصابعه على المعدن البارد حتى غابت معالمه في قبضته. لم يسلّمه للضباط، ولا ألقاه أرضاً، بل دسّه عميقاً في نطاق عباءته الداخلي، ملتصقاً بأضلاعه، ليرتحل معه شاهداً على حقّ الملكية لا يُكسر له عهد.

الفصل 42 مقفل

افتح كل الروايات المصورة

قصص مع مشاهد مصورة وموسيقى تصويرية.

✓ وصول فوري✓ دفع آمن عبر Stripe✓ إلغاء سهل عبر الإنترنت

متابعة القراءة · ٤٩٫٩٩ ر.س/شهر ←

٤٩٫٩٩ ر.س اليوم · يتجدد شهرياً · ألغِ في أي وقت