Chapter 1 · قصاصة ورق
الحقيبة على الطاولة قبل أن يطلبها مني أحد. قفلها مفتوح. ومن فتحه فعل ذلك أثناء دوران القهوة، والفنجان لا يزال في يدي، نصف ممتلئ، إذ لا أحد يسترد فنجاناً من يد امرأة ليتهمها.
«مرطب شفاه»، قالتها المرأة الجالسة على اليسار وهي ترفعه للأعلى.
«قلم. مفتاح. بطاقة بلا اسم».
المفتاح لم يعد يفتح شيئاً. تركتهم وشأنهم معه. في الصالة رائحة عود وعباءات بقيت حبيسة السيارات طويلاً. وطرحتي مثبتة بدبوسها في موضعها منذ الصباح. لا ألمسها؛ فلمسها سيكون بمثابة الرد.
وفي القاع، منبسطة بمحاذاة البطانة، ورقة مطوية. رقمٌ مكتوب بخطٍّ كأنه خطي لو كنتُ أتقن الكذب.
قرأته المرأة كما تقرأ إيصالاً.
«حق من؟»
لم ينطق أحد باسمي. وتلك هي الطريقة التي ينطق بها المجلس اسمك دون أن يلفظه.
على الجانب الآخر من المجلس، في الصدر، يجلس مرزوق الفالح وتتدلى المسبحة بين أصابعه، ولم يدر حبة واحدة منها منذ فُتح القفل. ثوبه أبيض حتى الياقة. لا ينظر إلى المرأة التي تمسك بالورقة، بل ينظر إليّ، ونظرته ليست دافئة ولا عطوفة، وليست شيئاً يمكنني رفضه أمام هؤلاء القوم.
قال: «حقي».
بردت القهوة في فنجاني بمحاذاة كفي. وانفلت زرّ كُمّي، فضغطتُ عليه ملتصقاً بمعصمي لئلا يرى أحد أصابعي.
لوهلة لم يُسمع في المجلس سوى صوت الأنفاس. عائلتان؛ صف طويل من الرجال بمحاذاة الجدار الأيمن، والنساء خلف ساتر من العباءات على اليسار، وطاولة الرخام بيننا تحمل مرطب شفاه، وقلماً، ومفتاحاً، وبطاقة، وقصاصة ورقية عليها تسعة أرقام.
ثم مال عمي إلى الأمام بجسده. هو كبير آل سليم في هذه الصالة الليلة، وكان ممسكاً بفنجانه دون أن يشرب منه.
قال: «الرقم ماهوب اسم».
قال مرزوق: «صار اسم الحين».
بدأ أحد الشبان من جهة الفالح قائلاً بصوت خافت: «يا أستاذ...»، ثم استدرك الأمر ولزم الصمت.
لم يلتفت عمي إليه: «في هذا البيت يُسأل الرجل قبل أن يجيب عن امرأة».
قال مرزوق: «اسأل أجل»، ولم يكن في نبرته أي أثر لانفعال. هكذا يغضب؛ لم يسبق لغضبه قط أن علا في مسمعي، بل يخرج كبابٍ يُغلق برفق في بيتٍ نام خدمه.
التفت عمي إليّ: «يا لؤلؤة، هل في هذه الحقيبة شيء يخص هذا الرجل؟»
وضعتُ الفنجان على الرخام. وضعته بتمهل، لأن يدي كانت تميل إلى الارتجاف ولن أسمح لها بذلك أمامهم.
قلتُ: «الحقيبة حقتي، والقلم حقي، والمفتاح حقي. والبطاقة ما عليها اسم، ولهذا السبب هي في حقيبتي لا في حقائبكم». نظرتُ إلى المرأة الجالسة على اليسار، والتي لم تضع القصاصة بعد: «أما الرقم، فأنا ما قلت شيء، ولن يجبرني على الكلام مَن فتّشت بطانتي ودلّة القهوة تدور».
انفتح فمها، ولم تخرج منه كلمة.
ومن صدر المجلس، أتى مرزوق الفالح بحركة رأيته يفعلها مرة من قبل، عند تسوية حسابات في غرفة كان هواؤها أشد برودة؛ رفع إصبعين عن حبات المسبحة، في أصغر حركة ممكنة في هذا العالم، فما كان من الواقف عند الدلة إلا أن قطع المجلس وملأ فنجاني أولاً.
ليس فنجانه هو، بل فنجاني أنا. على مرأى من العائلتين.
قال: «باقي الحقيبة لها، وما أحد في هالمجلس بيسألها عنها مرة ثانية».
صُبّت القهوة متدفقة فوق حافة الفنجان كما ينبغي، من علو، وتوقفت قبل أن ينتصف. كان التمر على الطرف؛ لم آخذ منه تمرة، فلئن أكلتُ في هذا المجلس سأكون قد قبلتُ بأمرٍ ما، وأنا لم أقرر بعدُ ما الذي أقبله.
هززتُ الفنجان مرة واحدة وقلت: «خلاص».
أخذه الرجل ومضى.
وعلى جهتي من المجلس، كفّ أحد الشبان عن التحديق في السجاد وصار يرمقني بنظراته. بادلته النظرة؛ إنه هو بالذات من سيتكلم غداً كأول شخص، مهما كان ما قيل الليلة.
دار البخور متأخراً؛ قُدمت المبخرة أولاً إلى الصدر، ثم على طول الجدار، ثم إلى النساء. وحين توقفت أمامي قرّبت الدخان بيدي نحو ياقتي وتركته ينساب.
كانت المرأة الجالسة على اليسار لا تزال ممسكة بالقصاصة. مدتها نحو مرزوق—قُرباناً، أو امتحاناً، أو كلاهما معاً.
لم يأخذها.
قال: «خلّيها».
فبقيت ملقاة على الرخام طوال ما تبقى من السهرة، في منتصف الطاولة: تسعة أرقام ولا اسم، وكان على كل رجل وامرأة في تلك الصالة أن يجلس في حضرتها، مدركين أنه نطق بكلمة واحدة بشأنها، وأني لم أنطق بأي كلمة على الإطلاق.
وحين همّ المجلس بالانصراف، نهض هو أولاً، فوقفت الصالة كلها معه لأن هذا ما تفرضه الأصول. لم يقترب مني، ولم ينظر إليّ مرة أخرى. وعند الباب قال لعمي، بالنبرة الخاوية ذاتها: «لؤلؤة آل سليم تحتفظ بإيصالاتها بنفسها»، ثم انصرف إلى الحوش، ودخل هواء الليل البارد ليحل محله.
لم أشكره.
فما فعل ذلك طلباً للشكر، ولستُ في وارد منحه شيئاً لم يطلبه قط، على مرأى من مجلسٍ أخذ يقرر بالفعل معنى ذلك الرقم.
وفي الحوش، أمسك طارق بباب السيارة. قلتُ بصوت خافت وأنا أركب: «يعطيك العافية». أومأ برأسه دون أن ينبس ببنت شفة. جلستُ والحقيبة فوق ركبتي، مكتملة، وكل غرض عاد إلى موضعه إلا شيئاً واحداً.
ليس لي، بل له.
ومع الصباح، أعلم أن أحداً سيحاول أن ينسب إليه اسماً آخر. فالناس تفعل ذلك دوماً، متى ما كان الرقم بلا اسم ورجلٌ في صدر المجلس قد ألقى حياله كلمة مقتضبة مرتين.
وما زلتُ أقرر إن كنتُ سأسمح لهم بذلك.