Chapter 2 · الجيب الداخلي
بحلول التاسعة، عاد المجلس ليمتلئ من جديد، وهذه المرة اختار عمّي شهوده بعناية.
ليسوا من الجيران، ولا من أولئك الرجال الذين أتوا البارحة بدافع الفضول ومكثوا من أجل القهوة. هؤلاء رجال لهم ثقلهم في المجلس: اثنان من أبناء عمومة الفالح، لم تنطق ألسنتهم في حياتهم بجملة أطول من سعر بضاعة، ورجل نحيل من الغرفة التجارية يمسك قلمه كما يمسك سواه خاتماً، وعند أقصى الطرف قرب الباب، شخص لا أعرفه يتظاهر بقراءة هاتفه بينما ينصت لكل شاردة وواردة.
الحقيبة موضوعة على السجّاد أمامي. لم يمسسها أحد منذ ليلة البارحة. كل غرض عاد إلى موضعه، والإبزيم النحاسي الصغير على الجيب الداخلي ما زال مغلقاً.
«فكّيه»، قال عمّي. «أمام هؤلاء الرجال، حتى تبرأ ذمتها رسمياً وننتهي من هذا الأمر».
أبقيت يدي في مكانهما. «أُفرغت وأُعيد ترتيبها في هذا المجلس أمام الجميع. رأيتم البطانة، ورأيتم الفواتير».
قال: «تلك كانت الحقيبة، أما الجيب فأمر آخر، فالجيب لم يُفتح قط».
دوّن رجل القلم شيئاً. كتبه قبل أن أجيب، ما دلّني على أن الجواب قد حُسم سلفاً، وأنني لست هنا إلا لأجعل الأمر يبدو كأنه نقاش.
قال بنبرة عذبة كالماء: «يا سيدتي، إن لم يكن فيه شيء، فالأمر هيّن إذن. افتحيه ولينصرف كل منا إلى داره».
هكذا تُقضى الأمور في هذه المدينة؛ ليس برفع الصوت، بل بكياسة مشحوذة حتى تغدو كالنصل، وقلم يتحرك بهدوء عند طرف السجّاد.
نظرت إلى الإبزيم النحاسي. إنه قطعة صغيرة أقدم من الحقيبة، ركّبتها امرأة في دكان أخبرتني يومها أنها ستعمّر أكثر من الجلد. إبهامي يعرف مشبكها جيداً.
قلت: «إن كانت يدي ليست موضع ثقة، فليضع أحد هؤلاء الرجال يده فيها، وليُخرج ما يجده ويرفعه ويقرأه بصوت عالٍ. هذا ما تريدونه، قولوها صريحة بهذه الكلمات وسأجلس وأدعه يفعل».
ساد الصمت. نظر ابنا العمومة إلى السجّاد، وتوقف القلم.
لأنهم يعلمون معنى ذلك؛ يد رجل تمتد في حقيبة امرأة، في مجلس شهود، وكل رجل حاضر هناك يدرك تماماً ما الذي قيل في حق اسمها عند نهاية الأمر.
تحرك فكّ عمّي لبرهة. ليس رجلاً قاسي القلب، بل هو رجل يريد أن يُحسم الأمر، وحسمه كان دوماً في ظنه يقتضي أن تدفع هي الثمن.
قلت بنبرة خالية من أي انفعال، وهو ما كان أشدّ عليه: «لن تمسّها يدٌ سوى يدي. هذه هي البراءة الوحيدة التي سينالها هذا البيت».
رفعت الحقيبة إلى ركبتيّ وتلمّست المشبك، فانفكّ الإبزيم بتلك الطقة الصغيرة الواضحة التي طالما عهدتها. وبسطت الجيب مفتوحاً.
في داخله ورقة مطوية. لا شيء غيرها.
أخرجتها وفردتها بنفسي، ثم وضعتها على السجّاد حيث يستطيع رجل القلم قراءتها دون أن ينحني.
فاتورة. من الدكان الواقع في شارع التحلية. تاريخها يعود إلى 4 سنوات خلت، والمبلغ هو ثمن الحقيبة مدفوعاً بالكامل، والاسم في أعلاها بخط يدي؛ لأنني اشتريتها بنفسي وكتبتها بنفسي، ولم أحتج قط إلى رجل يوقّع على أي شيء أحمله.
قلت: «لؤلؤة آل سليم تحتفظ بفواتيرها بنفسها».
أصدر أحدهم في مؤخرة المجلس صوتاً كاد أن يكون ضحكة، ثم حوّله إلى تنحنح.
أطال عمّي النظر في الورقة. لقد نال ما طلبه ولم ينل شيئاً مما كان يريده، وكلانا يدرك ذلك، والآن أدركه المجلس كله، وليس في وسعه بأي وجه هذا الصباح أن يصرّح بذلك جهراً.
قال أخيراً: «أبرئ ذمتها. اكتب أنها برئت».
كتب رجل القلم.
انفتح الباب الأقصى ودخل أحد رجال البيت حاملاً الدلّة، وأعادت الغرفة ترتيب أنفاسها كما تفعل المجالس دوماً عند فوح رائحة القهوة. اتجه الفنجان إلى الصدر أولاً، ثم إلى ابني العمومة، ثم إلى رجل القلم، الذي تناوله بيده اليسرى بحكم العادة، ثم تدارك أمره بعد فوات الأوان.
دخل مرزوق وصبّ القهوة لا يزال قائماً. لم أره حين وصل، ولم أرفع بصري لأراه يعبر السجّاد، لكن المجلس أبلغني بوجوده على أي حال، كما تخبرك المجالس دوماً.
جلس. لم يلقِ عليّ السلام، ولم ينظر إلى الحقيبة، ولا إلى الورقة، ولا إلى عمّي.
وحين بلغ المقهوي موضعه، أدار الفنجان دورة بين أصابعه، فتوقف الصباب، وأخذ المجلس حركته تلك على أنها الإشارة، فانقطع صبّ القهوة في أرجاء المجلس كافة دفعة واحدة.
ثم صُبّ فنجان ثانٍ، ووُضع — لا في الصدر، ولا عند ابني العمومة — بل على السجّاد عند طرف عباءتي، حيث لم يُعرض على أحد غيري في هذا المجلس أي شيء طوال الصباح.
تناولته بيميني.
لم ينظر إليّ. تلك هي أصول الكياسة في هذا البيت، وأنا قبلتها، ولم أنبس بكلمة عنها، ولا هو نطق.
وبحلول المساء، سيكون للرقم أكثر من اسم. ثمة من بدأ يقرر في هذا المجلس أن يمدّ يد العون؛ وثمة دوماً من يفعل ذلك حين يغدو الرقم بلا اسم، وحين يختار الرجال القادرون على وضع حدّ للحديث أن يجلسوا ويحتسوا القهوة بدلاً من ذلك.
دعهم يفعلون.
فلديّ يدي، ولديّ اسمي، وفاتورة واحدة مبسوطة سلفاً على السجّاد ليقرأها المجلس بأكمله.
وما زلت أقرر أيّها سأكشف تالياً.