رجوع

حقيبة البيت

0%

Chapter 3 · تحت الثريا

حقيبة البيت Chapter 3

الصينية مدهونة باللكّ، وأقدم من كل من يجلس حولها.

تدخل الصينية على راحتي مدبرة المنزل وتوضع على السجاد في وسط المجلس، في الموضع الوحيد الذي لا تترك فيه الثريا أي ظل على الإطلاق. أنا التي اخترتُ ذلك الموضع. كلمة مني، فسارت مدبرة المنزل بطول القاعة وهي تحمل حقيبتي باعتدال وثبات، وراقب كل رجل جالس على السجاد قدميها بدلاً من وجهها، وتلك عادة هذا البيت حين لا يرغب في أن يراه أحد وهو ينظر.

دخلوا من الفناء هذا الصباح ونعالهم في أيديهم، وصفّوها صفاً عند الباب، ولم يوجّه أحدهم باطن قدمه نحو الآخر منذ ذلك الحين. ذلك هو منتهى الأدب في هذه الغرفة. أما الباقي فحسابات.

جلد خالص. بلا أحرف مونوغرام منقوشة. دفعتُ ثمن ألا يحمل أي اسم.

«يا عمي». أبقيتُ صوتي في هدوء صبّة فنجان. «طلبتَ الحقيبة، وها هي هنا».

لا يجيب عمي. يجلس في الصدر، والصدر ليس في موضعه الذي كان عليه بالأمس؛ إذ أُزيحت وسادتان قبل نزولي، وكل رجل هنا قد عدّهما مسبقاً وخرج باستنتاجه الخاص عمن أزاحهما ولماذا.

لا أنتظر إذناً. أمسكتُ السحّاب بيدي اليمنى وفتحته بنفسي، بتمهل، تحت الثريا، وتردد صوته حتى بلغ أقصى الجدار، فالحديث انقطع دفعة واحدة وصوت السحّاب الآن هو أعلى صوت في الرياض كلها.

أول ما أخرجتُه كان قلماً. أسود، رخيصاً، مشبكه مرتخٍ. وضعته على اللكّ.

«قلم»، قالها أكبر أبناء العمومة، كأنه قد بُلّغ حكماً قضائياً.

«قلم»، وافقتُه الرأي. «بإمكانك أن تكتب به، إن كان الصباح يبعث على الملل».

ثانياً: حافظة البطاقات. ثلاث بطاقات؛ اسمي، ورقمي، واسم الشركة تحت اسمي بخط أصغر؛ الاسم الوحيد في هذه الحقيبة الذي لا يجرؤ أحد في هذا المجلس على مجادلتي فيه.

ثالثاً: الإيصال. وهو ملقى على السجاد في مكانه الذي وضعته فيه قبل ساعة، وقد بسطه أحدهم بحافة قدمه، وتركتهم ينظرون إليه من جديد. رابعاً: كتاب ذو غلاف ورقي، كعبه مشقوق ببياض، رواية إنجليزية تحمل اسم امرأة على غلافها، وهو الشيء الوحيد في الحقيبة حتى الآن الذي كلفني شيئاً لمجرد أن يُرى في يدي.

«كتب»، قال ابن العم.

«نعم»، قلت. «بعضنا يقرأ ما يُسأل عنه قبل أن يسأل».

أصدر المجلس ذلك الهمس الخافت الذي يصدره حين يقرر الحاضرون أن يتسلوا على حساب أحد، دون أن يحددوا بعد على حساب من. وتركتهم وشأنهم.

ثم تهبط يدي إلى القاع، وتخرج المفاتيح.

ثلاثة في حلقة بسيطة. واحد نحاسي، شحب لونه عند حافته، واثنان أحدث عهداً. بلا ميدالية، ولا بطاقة تعريف، ولا أحرف منقوشة، لا شيء في تلك الحلقة ينبئ المجلس بأي باب تفتحه؛ ولهذا السبب تحديداً عاد الصمت إلى الغرفة، صمت من نوع آخر، الصمت الذي يسبق نطق اسم امرأة بطريقة تُرغمها على الرد.

وضعتها على اللكّ. أحدثت رنيناً أصغر بكثير مما فعلته للتو بهذا المجلس.

«بيت من؟» قال كبير أبناء العم.

لم يجبه أحد.

«بيت من يا لؤلؤة؟»

نطق باسمي عبر المجلس. ثمة أسلوب متعارف عليه لمثل هذا؛ من الصدر، من رجل طاعن في السن، ويده مبسوطة على السجاد؛ وهناك الأسلوب الذي اتبعه للتو، جافاً وسريعاً، كما ينطق رجل اسماً حين يريد أن يسمع الرد عليه وهو يدرك سلفاً أنه لن يظفر به.

نظرتُ إليه كما أنظر إلى ملف تنقصه ورقة.

«المفاتيح أمامك»، قلت. «عدّها، إن كان العدّ هو ما تجيده. فالباب ليس في هذه الغرفة، ولا اسمك هنا أيضاً».

ضحك شخص في أقصى المجلس، ضحكة مبتورة كتمها في جوفه.

ثم وضع مرزوق الفالح فنجانه.

لم يقم. فالوقوف للرجال الذين يحتاجون إلى أن تلتفت الغرفة إليهم، وهذا الرجل لم يحتج إلى ذلك يوماً؛ فالأنظار تلتفت إليه على أية حال، كما ينحدر الماء نحو الجانب المنخفض من الإناء. وضع الفنجان على السجاد بيده اليمنى، فمال المجلس كله نحو صوت وضعه، ولم يرفع صوته على الإطلاق.

«الصينية في بيتي»، قال.

كان ذلك كل ما في الأمر. لم تكن إجابة عن السؤال، بل سقفاً وُضع فوق السؤال، وبوسع كل رجل هنا أن يسمع وقع استقرار ذلك السقف.

تحرك فك كبير أبناء العم مرة واحدة: «يا أستاذ مرزوق...»

«ما دامت على صينيتي»، قال مرزوق، «فليس لها عنوان آخر. خلاص».

استقرت الكلمة كغطاء يُحكم إغلاقه. ومدبرة المنزل، التي وقفت بجوار الجدار مكتوفة اليدين منذ وصول الحقيبة، نظرت إلى الأرض كأن في الأرض ما يسترعي الانتباه فجأة. قلتُ لها بهدوء: «يعطيكِ العافية» امتناناً للصينية؛ فلابد أن يُشكر أحد في هذه الغرفة على شيء ما هذا الصباح، ولن أكون أنا بالتأكيد.

ترك ابن العم الصمت يفعل فعلته برجل لم يعتده. رفع فنجانه قبل أوانه، وكان الفنجان خفيفاً؛ وهو لا يدري بخفته لأنه لم يُضطر يوماً إلى أن يدري، فتجرع الهواء من فوق حافته ثم أعاده إلى مكانه. لم أبتسم، لأن هذا المجلس كان سيعدّ الابتسامة إجابة، وأنا لم أقدم أي إجابة.

المفاتيح لا تزال على اللكّ.

مددتُ يدي إليها بتمهل، وأطبقتُ كفي عليها كي لا تصدر الحلقة أي رنين. اثنان من هذه المفاتيح أحملهما منذ أربع سنوات، أما المفتاح النحاسي فأحمله منذ أحد عشر يوماً، ولم يطرح عليّ أحد في هذا المجلس السؤال الصحيح عنه بعد، ولن أسلّم السؤال الصحيح لمجلس أمضى الصباح كله يتشاور في ما يصنعه برقم لا يحمل اسماً هو الآخر.

أُعيد المفاتيح إلى الحقيبة. لم أخبئها—بل أردّها إلى الجيب الذي تأوي إليه، على مرأى من الجميع، حتى لا يقول رجلٌ هنا بعد ذلك إن الصباح أظهرها وإني خفتُ منها.

ثم أُغلق السحّاب، وأضع الحقيبة على الصينية، وأجلس على عقبيّ فوق السجاد أنتظر أن يفرغ هذا البيت مني.

تدور المبخرة في إثر القهوة. تُدير مدبّرة البيت المبخرةَ نحوي بكمّ ثوبها، وأجذب الدخان بيدي إلى ياقتي، فيتغلغل العود في الصوف ويلبث فيه، وسيظل هناك الليلة حين لا تكون رائحة هذه القاعة سوى الشيء الوحيد الذي أحمله معي إلى البيت.

تدور الدلّة من جديد.

تأتي كما أتت من قبل، عن يسار مدبّرة البيت، والدلّة مرفوعةٌ في العلو، والسكب رفيعٌ ومستقيمٌ ومسموع، ويمضي الفنجان الأول—

ويتوقف.

لأنه لا يذهب إلى الصدر.

بل ينحدر فوق السجاد متجاوزاً ابن العم الأكبر، ومتجاوزاً الاثنين اللذين نُقلت وسائدهما هذا الصباح لإيصال رسالة، حتى يبلغ طرف عباءتي، حيث لم يُقدَّم لي طوال اليوم شيءٌ سوى كوبٍ وضعه على الأرض رجلٌ لم ينظر إليّ وهو يضعه.

أتناوله بيميني.

لا أقول شيئاً. ولا هو ينطق.

وآخرَ الجميع، يصل الفنجان إلى ابن العم الأكبر. يمسك به. ولا يشرب.