رجوع

حقيبة البيت

0%

Chapter 4 · قيود الدفتر

حقيبة البيت Chapter 4

يمسك الفنجان، ولا يشرب.

ينتظره المجلس كما تنتظر المجالس عادةً — ريثما يقرر كبير القوم مزاج الصباح — وحين وضع الفنجان على السجّاد بجانب ركبته، وما زال ملآن، تدحرج ذلك الانتظار كله واستقرّ عليّ.

أبقيتُ يديّ مكانهما؛ واحدة خالية، والأخرى دافئة.

ثم مدّ عمّي يده نحو حقيبتي.

لم يستأذن. لم يستأذن أحد في هذا المجلس منذ دخلت الحقيبة، وقد تناقلوها يداً بيد طوال الصباح، يُخرجون كل غرض ويقلّبونه ويسمّونه باسمه، وتُدوَّن إجاباتي كأنها شهادة في محضر. لذا حين انزلقت أصابعه إلى الجيب الداخلي، عرفتُ ما سيُخرجه قبل أن يظهر، وعرفتُ أن المجلس لا يدري.

جلد. دفتر حسابات ضيّق، بهت كعبه عند الموضع الذي يستقر فيه إبهامي.

فتحه عند شريط العلامة وقرأ بصوت مسموع.

أجر مدبرة المنزل لشهرين. دهن العود الذي تشرّبه صوف البشت عند كتفيه حين حضر زواج ابنه. الهيل. غسيل تسعة ثياب. الخياطة في شمال المدينة التي تفصّل عباءاتي ولا تضع عليها وسماً باسمها. التمر، بالكراتين، شهرياً.

يقرأ المبالغ بتمهّل، بتلك النبرة التي يلجأ إليها رجل يقرأ فاتورة عزم ألّا يدفعها.

وعلى امتداد الصدر، تحركت المتّكآت. وأطلق الاثنان اللذان نُقل مجلِساهما هذا الصباح نحنحة خافتة في الحلق، وهي تلك النحنحة التي تصدر عن بيت يُقال له ما يعلمه سلفاً: المرأة الجالسة في المجلس هي التي تمسك الحسابات.

قلب الصفحة، وقرأ رقماً، وأخطأ فيه.

«هذا للعام الماضي»، قلتُ، «السطر الذي تحته هو حساب هذا العام».

قلتُها بهدوء، بالطريقة نفسها التي أخبر بها عن الوقت. ولم أرفع ذقني.

توقفت يده على الصفحة، ولم يرفع عينيه.

قال موجهاً كلامه للحاضرين، لا إليّ: «لؤلؤة تحفظ مال البيت في دفترها الخاص».

فقلتُ: «هو مال البيت، ولهذا كُتب ودوّن».

لم يمسس مرزوق فنجانه منذ الصبّة الأولى. كان يجلس في الصدر باسطاً كفّه على ركبته، وحين تكلّم لم يكن صوته عالياً، ومع ذلك سمعه المجلس كله.

«يبقى الدفتر مع الحقيبة».

تحرك فكّ عمّي حركة واحدة. أطبق الدفتر على شريطه، وأمسكه لحظة — زمناً يكفي ليفهم المجلس أنه يقرر أمراً، وأن هذا الأمر ليس بيده ليقرره — ثم مدّه جانباً نحو مدبرة المنزل، لا نحوي.

حملته مدبرة المنزل إليّ بكلتا يديها.

أعدتُه إلى الجيب الداخلي بنفسي. لم أستعجل، بل تركتهم يراقبون الجلد وهو يغيب في الداخل.

ثم، ولأنه لم يبقَ في هذا المجلس ما يستحق أن يُقال، رفعتُ فنجاني ومددتُه نحو الصينية.

«يعطيك العافية».

ودارت الدلّة.

بدأت من الصدر؛ مالت الدلّة عالياً، وانساب الصبّ رفيعاً ومستقيماً وله صوت، فوضع مرزوق راحته مبسوطة فوق فنجانه. اكتفى. وتابعت الدلّة مسيرها فوق السجّاد، مجتازةً ركبة ابن العم الأكبر دون توقف، حتى ملأت فنجاني إلى ما دون النصف.

تناولته بيميني.

وما زال فنجان ابن العم في مكانه حيث وضعه، على السجاد، بارداً الآن، لم يرفعه أحد ولن يرفعه أحد.

ارتشفتُ منه. حارّة، مُرّة، وفي ختامها طعم الهيل. تسعة رجال في هذا المجلس طالبوني بحساباتي هذا الصباح، ولم يطلب مني أحد منهم شيئاً بعد ذلك.

ليس الفنجان مقعداً، لكنّ المجلس يقرؤه كما لو كان كذلك.