Chapter 5 · في وجه النور
تعود الصينية عبر السجادة لتأخذ الحقيبة، وهذه المرة لا تتوقف عند ركبتي.
يرفع الواقف عند الباب الحقيبة من فوق يديّ ويحملها بمحاذاة أكتاف الرجال لتراها القاعة كلها، ثم يضعها أمام الصدر حيث يمتد ضوء النافذة العالية منبسطاً على السجادة.
تخرج القارورة أولاً.
كريستال، لا يزيد طولها عن عقلة الإبهام الأخيرة، بسدادة مسطحة الحواف، وقد اسودّ أحد جانبي زجاجها حيث ركد الدهن سنين طويلة. ورد طائفي. يميل المجلس بأكمله دون حراك.
تتنقل القارورة على امتداد السجادة من يد إلى يد متجاوزة الصف الأخير، لتصل إلى كبيرات البيت اللاتي جلسن قرب الباب منذ صبّة القهوة الأولى هذا الصباح، ولم يسألهن أحد عن شيء.
تحلّ أكبرهن السدادة بإبهامها رويداً رويداً.
يفوح الورد في أرجاء المكان؛ حاداً في بدئه كأنه دواء، ثم يحلولك، ثم ينتشر في كل صوب دفعة واحدة. يُدير أحدهم المبخرة، وتجتذب يدٌ دخان العود نحو الياقة، فيلتقي الطيبان في القاعة معاً، ولا يتراجع منهما أحد للآخر.
ثم المنديل. كتان، مطوي على شكل مربع، مكبوس في ثلاث ثنيات لانت من كثرة الحمل، وفي زاويته حرفان بخيط مذهب.
تقول أكبرهن: «هذا حرف ميم».
فأقول: «بل لام».
«الخيط انقطع عند العروة».
«انقطع الخيط، لكنه لا يزال حرف لام».
تقلب القماش وترفعه في وجه النافذة. ليست امرأة قاسية، وتلك هي العلة فيها؛ ترفع الأشياء إلى النور لأنها خُلقت لذلك، والنور صادق، والقماش ليس كذلك.
تقول: «دهن ورد، في حقيبة امرأة دخلت هذا المجلس ولا زوج لها فيه».
فأقول: «دهن ورد في حقيبة امرأة تشتري حاجتها بمالها».
«ورد طائفي».
«ورد طائفي. من ربيع العام الماضي. من دكان لن أسميه لهذا المجلس، وبمال يحمل اسمي وحدي دون غيري».
«المرأة لا تشتري الورد الطائفي لنفسها».
«هذه اشترته. تبين أعلّم المجلس كم دفعت فيه؟»
يضحك أحد الشبان ضحكة واحدة مبتورة ثم يكتمها، فيستنكر المجلس ضحكته. تعيد أكبرهن طي القماش إلى ثنياته الثلاث، متمهلة عند الأطراف.
تقول: «في هذه المدينة رجل يبدأ اسمه بالحرف الذي تزعمين أنه غيره، وله سابقة جود بدهن الورد. ومن حق المجلس أن يسأل».
فأقول: «للمجلس أن يسأل. ائتوني به، وإن وقف على هذه السجادة وقال إن الدهن دهنه، وضعت القارورة في يده ومضيت إلى بيتي».
السجادة ممتدة، تقطع المجلس بطوله، متجاوزة الصدر، ومتجاوزة الصف الأخير، وصولاً إلى الباب، وما من رجل واقف عليها.
ينظر ابن العم الجالس في الصدر إلى فنجانه المتروك على الأرض بجانبه، وقد برد، ولا يمد يده ليرفعه.
ثم مرزوق.
لم ينطق بكلمة منذ صبّة القهوة. يتناول القارورة من الصينية بنفسه، ويخرج السدادة بإصبعين، ثم يمس بياض معصمه بطرف الزجاج. قطرة واحدة. يعيد السدادة إلى مكانها ويضع القارورة حيث كانت، فكانت طقتها الخافتة أعلى صوت شهده هذا الصباح.
يقول: «طائفي. قضى المجلس ساعة في سدادة وخرقة مربعة. وإذا فرغتم، فليخبرني أحد بما استقر عليه الرأي ومن قرره، وسأسمع ذلك في غرفة أصغر».
لا تصرف أكبرهن بصرها عنه: «ليست في ذمتك يا مرزوق».
فيقول: «لا».
يدع كلمته تلك تستقر في الفضاء ريثما تغدو جواباً كاملاً، ثم يستأنف بنبرته الرتيبة ذاتها، دون مزيد من الدفء ولا ارتفاع في الصوت.
«أجابت مرتين، وستجيب ثالثة إن أراد المجلس، والجواب لن يتغير، ولن نجني غير قصر النهار. ارفعي القماش عن النافذة يا سيدتي؛ فالنور ليس بشاهد».
فتُنزل القماش عن النافذة.
يعود المنديل إلى الصينية، وتُحمل الصينية عبر السجادة لتوضع عند ركبتي، لا في يدي؛ فهكذا تكون صورة الاعتذار في هذا البيت. أدعها مستقرة هناك لحظة ليراها المجلس وهي كذلك، ثم آخذ القارورة أولاً والمنديل ثانياً، وأدسهما معاً في الجيب الداخلي حيث موقعهما، وأطبق الغطاء عليهما.
الصينية فارغة، أما الحقيبة فلا.
تنزلق يدي خلف البطانة وصولاً إلى القاع، والورقة لا تزال مطوية كما طويتها قبل ركوب السيارة، ولم يخطر ببال أحد في هذا المجلس بعدُ أن يسألني عن الشيء الوحيد فيها الذي لا يحمل أي اسم إطلاقاً.