Chapter 1 · فتحة المفر السري
ضربت كفّه الجدار بجوار رأسي قبل أن أتمكن حتى من الالتفات.
قال كالدر فاين بصوت خفيض، كأنه يهدّئ كلباً يوشك أن يفلت: "إياكِ... إياكِ تتجرئين وتنحاشين في بيتي."
كان الفولاذ بارداً ينفذ عبر معطفي، وأشد برودةً حيث أطبقت يده الأخرى على فكّي، وإبهامه مضغوط بإحكام تحت ذقني، ليرفع وجهي نحو المصباح العاري الوحيد المتدلي فوقنا. خشب الأرز وزيت السلاح؛ هكذا كانت رائحته عن هذا القرب، رائحة فعلت بركبتي ما لا أملك ترف الخجل منه الآن.

قلتُ له: "بيتك هذا... مجرد قبو تحت رصيف رجل ميّت."
همس وفمه لا يبعد عن أذني سوى بوصة واحدة: "قبوي أنا. ودخلتيه ومعاكِ دفتر حسابات فيه اسم ولد عمي... ما كانت حركة ذكية منك يا آيرا."
تسمّرت في مكاني. إنه يعرف اسمي. هذه معلومة جديدة، وأمقتُ كونها أكثر ما أرعبني، أكثر من يده القابضة على فكّي، وأكثر من أن ظهري ملتصق بجدار لا أرى فيه أي باب من جهتي.
"فِكّني وأنا أفهّمك سالفة الدفتر."
"لا." نطقها كأنها أسهل كلمة في الدنيا. ثم انحدرت يده من فكّي لتستقر على نحري—دون أن يضغط، بل أراحها هناك وحسب، وإصبعان منه تتحسسان نبضي كأنه يعدّه: "بتفهّميني هنا، جوّا."
سحبني من ياقة معطفي جانباً، فتعثرتُ داخل فتحة لم أنتبه حتى أنها فُتحت، لأجد نفسي في غرفة بحجم خزانة ملابس مبطنة بفولاذ مخدوش. والباب—دائري، مُصفّح بالبراشيم وكأنه قُطع من غواصة—انطبق خلفه بثقله الذاتي، وكان صوته حين استقرّ في إطاره أسوأ صوت سمعته طوال العام. دارت عجلة، واستقر المزلاج في مكانه برنين معدني مكتوم أحسستُ به في أضراسي.
قلتُ: "افتحه."
"لا."
"كالدر."
"هذه أول مرة تنطقين فيها اسمي." أسند ظهره إلى الباب عاقداً ذراعيه، وسادّاً المخرج الوحيد وكأنه قطعة أثاث صُنعت خصيصاً له. كان المصباح هنا أخفت، بوهج برتقالي جعل نصف وجهه في الظل، ونصفه الآخر مضاءً كأنه منحوت بدقة. ثم قال: "قوليه مرة ثانية."
"أحتاج بخّاخي." كان صدري يضيق بالفعل؛ تلك القبضة الباردة الأولى التي تعني أن الهواء في هذه الغرفة سيصبح أهم بكثير من أمر الدفتر. مددتُ يدي إلى جيب معطفي. لم يكن هناك. "وينه؟"
رفعه بين إصبعين. بخّاخي. لا بد أنه نشله مني في الثانيتين الفاصلتين بين الممر وهذا الباب، دون أن أشعر حتى بحركة يده، وهو ما أرعبني أكثر من الباب المقفل نفسه.
"رجّعه لي."
قال ببرود: "أبشري، عطيني الدفتر أول."
"ما يحق لك تساوم على أنفاسي عشان دفتر!"
"لكني ساومت وخلصت." قلّب البخاخ بين يديه، قارئاً الملصق باهتمام مصطنع: "شيء غريب تاخذينه معك لبيت مليان برجال يذبحونك على أقل من كذا. كنتِ تدرين وش هالمكان وأنتِ تمشين على الرصيف... كنتِ تبينهم يمسكونك."
"كنت أبي الشخص الصح هو اللي يمسكني."
أصابت كلماتي موضعاً ما خلف عينيه. رأيتُ أثرها يرتطم به—جفلة طفيفة ابتلعها سريعاً، وتصلّب فكّه لبرهة قبل أن يعود إلى جموده. دفع نفسه مبتعداً عن الباب وقَطَع الغرفة الصغيرة بخطوتين، ولم يكن لديّ مهرب، فارتطم ظهري بالفولاذ مجدداً، وهذه المرة لم يتوقف على بُعد بوصة. بسط كفه على الجدار بجانب رأسي، محاصراً إياي بجسده كله، قريباً لدرجة جعلتني أشعر بالحرارة المنبعثة منه عبر قميصه، وقريباً بحيث حرّك زفيره خصلات الشعر عند صدغي.
كررها بصوت خافت ولئيم: "الشخص الصح... اخترتِ الرجال اللي يقفل الباب وراكِ. وهالشيء إما إنه قمة الذكاء، أو قمة الغباء، وللحين ما قررت أيهم."
"عطني البخاخ وأنا أساعدك تقرر."
"تعجبيني أكثر وأنتِ تلهثين... يخف كلامك شوي."
ارتفعت يدي تلقائياً واستقرت مستوية على صدره بنية دفعه، فشعرتُ تحت راحتي بنبضات قلبه تتسارع أكثر مما يوحي به صوته الهادئ. ذاك مكمن الضعف فيه؛ الصدع في درعه. خزّنتُ تلك الملاحظة في ذهني، حتى ورئتاي تبدآن في إطلاق صفير حادّ ومخنوق مع كل شهيق.
قال: "محتاجته، صح؟" وأخيراً، رفع البخاخ إلى فمي بنفسه، وعلّق إبهامه تحت فكي مجدداً ليثبت رأسي وهو يفعل ذلك، كأنني شيء مباح له التصرف به كما يشاء. لامس البلاستيك شفتي، لكنه لم يضغط على العلبة.
"قولي تكفى."
"تخسى."
"قوليها يا آيرا." انخفض صوته نبرة أخرى، وكادت جبهته تلامس جبهتي، قريباً لدرجة مكّنتني من عدّ خصلات الشيب التي تخالط صدغه، وقريباً بحيث تذوقتُ رائحة الأرز في أنفاسه بدلاً من مجرد شمّها: "شفايفك بدت تزرقّ... وعادي عندي أطالع فيك وأنتِ تختنقين، شفت اللي ألعن من كذا."
بدأت الرؤية تغبش عند أطراف عيني. الكبرياء ميتة حمقاء في غرفة مغلقة، لكني فتحت فمي على أي حال لأرميه بكلمة لاذعة—وفي تلك اللحظة تحديداً، ضغط إبهامه على العلبة؛ رذاذ بارد لطم مؤخرة حلقي قبل حتى أن أطلب، وقبل أن أنطق بكلمة الرجاء اللعينة تلك، فشهقتُ أبتلع الهواء كأنه أول شيء يُمنح لي مجاناً في حياتي كلها.
ظل يراقبني وأنا أتنفس كأنه عرضٌ دفع ثمن تذكرته.
قال: "شفتي عاد؟ الحين صرتِ مديونة لي مرتين."
دفعته—دفعته بحق بكلتا راحتي في صدره، فلم يتزحزح قيد أنملة، بل اكتفى بالنظر إلى يديّ كأن محاولتي لا تعدو كونها مزحة لطيفة. ومن ورائه، كان الباب موصداً بإحكام، عجلته مقفلة، ولا وجود لأي مقبض من جهتي أستطيع الإمساك به.
"افتح الباب يا كالدر."
"ما فيه باب هنا إلا وهو ملكي." تراجع خطوة إلى الوراء أخيراً، وأعاد البخاخ إلى جيبه كأنه لم يغادر يده قط: "بتسلّميني الدفتر، وبتسلّمينه قبل لا يقلّ الأكسجين هنا مرة ثانية. ماني مستعجل... تهوية هالغرفة بطيئة."
"ما تقدر تحبسني في صندوق حديد!"
«شوفي بنفسك.» طرق مرتين على الفتحة خلفه، إشارةً لم أفهم معناها، فاشتغلت مروحةٌ في مكانٍ ما داخل الجدار، وهدرت بأزيزٍ ميكانيكي خافت كأنه يعلمني بدقة بمقدار الأكسجين الذي يرتضي إدخاله، والمقدار الذي سيبخل به عني.
أنظر إلى الباب. ثم أنظر إليه وهو يقف أمامه كأنه نبت في مكانه.
«ما فيه مخرج من هالغرفة،» قلتُ، «إلا عن طريقك.»
التوى طرف فمه، لا ليرسم ابتسامة، بل شيئاً أسوأ بكثير.
«توّك بديتي تفهمين.»