رجوع

جابي المافيا يسلب أنفاسها

0%

Chapter 2 · الشريحة تحت ترقوتها

جابي المافيا يسلب أنفاسها Chapter 2

«يديك على الجدار. الحين.»

خرج صوت كالدر ميت النبرة، خاليًا من أي مجال للتفاوض. لم أتحرك بالسرعة الكافية، فتولى الأمر بنفسه؛ بسط راحة يده بين لوحي كتفي، ودفعني إلى الأمام حتى التثمت وجنتي برودة الفولاذ، وتذكرت رئتاي أنهما لا تزالان مدينتين له بجميل.

«فتشتني من قبل»، قلتُها ووجهي ملتصق بالجدار. «مرتين. أخذت البخاخ، وسحبت الدفتر عن جسمي، تراه ببطانة كوتي، علمتك من أول إنّه—»

«علمتِني بعدد الصفحات بس.» مرر يده على امتداد عمودي الفقري، مبسوطةً ومتمهلة، كأنه يقرأ أحرف "برايل" المنقوشة على فقراتي. «ما علمتِني عن الشريحة.»

هوت أمعائي إلى قاع لا قرار له. «أي شريحة؟»

«المخيطة تحت عظمة ترقوتك.» قالها بنبرة هادئة كادت تقطر مللًا، وذلك أشد وطأة مما لو صرخ. «ربع عيال عمك ما يدزون مراسيل بدون قيد. أنتِ خابرة هالشي، وأنا خابره. فليش ما نختصر الدرب ونوفّر سالفة الكذب علي من جديد؟»

أدارني من كتفي—بلا رفق، ودون عنف يخلّف كدمة بعد، بل بقدر يكفي لأدرك قدرته على فعل ما هو أسوأ—وبتّ الآن أواجهه، وظهري ما زال مسندًا إلى الجدار، وساعده متكئ بجانب رأسي كقضيب موصد عبر باب قفص. وفي هذا القرب، أحصيت تفاصيله كلها: خشب الأرز، وزيت السلاح، وشيء كامن تحتهما يخصه هو وحده، دافئ، أدفأ من أن يناسب غرفة بهذه البرودة. على فكّه لحية خفيفة نبتت منذ يومين، وعيناه لا تطرفان إلا نادرًا.

قلت: «ما فيه أي شريحة.»

«عجل ما عندك مانع.»

تلمست أصابعه ياقة معطفي وأزاحتها، ببطء، كما لو كان ينزع غلافًا عن شيء يعرف شكله مسبقًا. لفح الهواء عظمة ترقوتي فانتفضت—لا من البرد، بل لأن إبهامه كان قد استقر هناك بالفعل، يضغط على امتداد العظم، متصنتًا إلى شيء تحت جلدي بالطريقة ذاتها التي يتحسس بها المرء نبض القلب.

«لا»، قلتها، ومقتّ النبرة التي خرجت بها—لم تكن أمرًا، بل رجاءً كُسرت شوكته.

«لا إيش؟» لم يتوقف. انزلقت يده أعلى، على امتداد عنقي، واستقر إصبعان منهما على موضع نبضي بلا حراك، يعدّان الدقات. «لا ألمسك؟ اقتحمتِ بيتي وبيدك دفتر يغرق رصيفي ومينائي. أظننا تعدينا مرحلة "لا".»

«دخلت برجلي. فيه فرق بين الاقتحام وبين—»

«مو من المكان اللي أنا واقف فيه.»

ثم انتقلت راحة يده إلى شعري، وقبضت على خصلات منه خلف جمجمتي، مائلةً برأسي حتى انكشف عنقي لضوء فتحة التهوية. لم تكن قبلة، بل تفتيشًا؛ مرر أنفه على امتداد فكي، ثم أذني، يتنشق أنفاسي وكأنه يفرزني ويصنفني ليعود إليّ لاحقًا، ومقتّ—بكل ما أوتيت من مقت—أن جسدي كله خمد وبات غبيًا يشتهي لمسته بدلاً من أن يقاوم.

همس عند أذني: «ريحتك موية نهر وجن رخيص. وتحتها، خوف. زين، يعني إنك ذكية.»

«يعني إني أحتاج بخاخي يرجع لي قبل لا تخلّص لعب دور كلب الأثر.»

ضحك—زفرة قصيرة واحدة خالية من أي مرح—وعندها امتدت يده الأخرى إلى الدرزة الداخلية لمعطفي ومزقتها ببساطة. انشق القماش بطول البطانة وتطايرت الخيوط، فشهقت؛ لشدة الصوت في غرفة بهذا الضيق، ولأن مفاصل أصابعه حكّت أضلاعي وهي تمضي في طريقها، ولأنه لثانية واحدة استقر ساعده كله مبسوطًا فوق صدري، واستطعت أن أشعر بنبضه يدق بعنف يضاهي عنف نبضي عبر نسيج الصوف.

قال وهو ينتزع الدفتر الأسود المسطح ويرفعه بين إصبعين كحرز في محاكمة: «لقيت الدفتر. الحين جا دور الشريحة.»

«ما فيه شريحة.»

«آيرا.» كانت تلك المرة الأولى التي ينطق فيها باسمي. وقع الاسم في غير محله، حميميًا أكثر مما يحتمله هذا الموقف—ففخذه قد انحشر الآن بين فخذيّ، يثبتني إلى الفولاذ، ويده الطليقة مبسوطة على الجدار عند رأسي، ولم أعد قادرة على تمييز ما إذا كانت تلك الحرارة التي تزحف على عنقي ذعرًا أم شيئًا أسوأ. «فتشت وجردت ستة مراسيل في عشر سنين. وكل واحد فيهم كان عنده رسن مخيّط في مكان طري؛ ورا الأذن، تحت عظمة الترقوة، داخل حزام البنطلون.» انحدرت عيناه، بتأنٍ وتمهل، على طول مقدمة جسدي. «ودّك تريحيني ونختصر المشوار، ولا أكمل تدوير؟»

«المسني مرة ثانية وشوف وش يجيك.»

قال وهو يقترب حتى غدا فمه على بعد نَفَس من صدغي، حتى صرت أحس بالكلمات أكثر مما أسمعها: «اللي بيصير... إنك بتقعدين مكانك لين ألقاها. هذا اللي بيصير. مالك حق تهددين الرجال اللي ماسك أنفاسك بيده.»

تقطع نَفَسي—لا بسبب الغرفة، ليس بعد، بل بسببه هو، ومن ضغطة صدره على صدري، ومن الطريقة التي عاد بها إبهامه يتتبع عظمة ترقوتي ببطء، صبورًا غير عابئ، كأن ليلته طويلة ولا مهرب لي منه.

قلت أخيرًا وصوتي يتهدج: «فيه شريحة. خلاص... فيه شريحة.»

«هذا الكلام.»

«بس ما تدري وش تسوي.»

سكنت يده على عنقي. ولأول مرة منذ أوصد المزلاج، تبدل شيء في ملامح وجهه—لم يكن خوفًا، فكالدر فاين لا يعرف الخوف، بل ضربًا من الاهتمام الحاد البارد، وهو أدهى وأمرّ.

«علميني.»

«ماهي جهاز تتبع.» أرغمت نفسي على الثبات في عينيه رغم أن كل عصب في جسدي كان يتوسل أن أنظر إلى أي مكان آخر. «هي مفتاح الميت. لو عيال عمي يسحبون موقعي وأغيب عنهم ست ساعات، بتفرغ الشريحة كل صفحة في هالدفتر تلقائيًا لأربع غرف أخبار وشركة التأمين حقت رصيفك. ودّك تخليني أتنفس بهالغرفة يا كالدر؟ زين. بس لو تنتزع هالشريحة مني قبل لا أثبت وجودي الليلة، منت بس بتغرق رصيفك.»

ضغط إبهامه بقوة أشد على موضع نبضي، كأنه يتحرى ما إذا كنت أخادعه بمجرد اللمس.

قال بصوت خفيض: «وش اسمها؟ الشريحة. عطيني اسمها، ولا تراني بشق وأقص على عماها.»