Chapter 1 · الطاولة المقفلة
الفصل 1: الطاولة المغلقة
«وقّعي». تنطبق يد أبي على معصمي وتجرّ أصابعي نحو القلم، تماماً كما كنتُ في الثانية عشرة من عمري، أتعثّر في درس الخط داخل مكتبه.
كانت الوثيقة ممددة تحت ضوء الفلورسنت الشاحب الشبيه بإضاءة المحاكم، واسمي مطبوع مسبقاً في أسفلها. «بيل». كما لو كان وسماً على بهيمة، لا مجرد لقب عائلة.

قال دوبس، المحامي، دون أن يرفع عينيه عن ملفه: «ريتشارد، عليها أن توقّع بالأحرف الأولى على الصفحة الرابعة بنفسها. الشهود يراقبون».
وبالفعل كانوا يراقبون. ستة من موظفي حملته الانتخابية بسترات كحلية يصطفون بمحاذاة الجدار الخلفي لمكتب التوقيع الخاص بأبي، كاميراتهم مطوية ومحجوبة مؤقتاً، وكأن هذا مجرد لقاء روتيني لمصافحة تُلتقط لها صورة قبل الانتخابات التمهيدية. وثيقة زواج مُغلّفة في هيئة حفل للمتبرعين.
أما لوكا كرو، فلم يتحرك من رأس الطاولة منذ وطئت قدماه الغرفة. بدلة داكنة بلا ربطة عنق، يرمقني بنظرة رجل يتأمل باباً يملك مفتاحه سلفاً في جيبه.
سأل: «هل تصرخ؟». لم يوجّه السؤال لي، بل لأبي. وكأنني سيارة مستعملة يفاضل بين شرائها وتركها.
ضحك أبي ضحكة مقتضبة قبيحة: «ما تتكلم أبداً يا سيد كرو، وراح تتعود على الهدوء».
ظلت عينا لوكا معلقتين بي وهو يمد يده ليتناول قلمه: «ما يزعجني الهدوء. اللي يزعجني هو الأسرار». وقّع بخط حاسم وسريع، بلا ذرة تردد، وكأنه اقترف ما هو أبشع من هذا على أوراق أسوأ بكثير، ثم أردف: «هذا كل ما في الأمر».
صوت أمي ما زال يتردد في رأسي، مرّ عليه عام كامل ولم يفارقني لحظة: *عاهديني يا جون. إياكِ أن تنطقي باسمه. ولا بالرقم. ولا لأي كائن كان.*
لم أنكث بهذا الوعد ولو لمرة واحدة. لم أنكسر أمام المحققين، ولا أمام مدير حملة أبي وتهديداته بقطع التمويل، ولا عبر 12 شهراً من الصمت كلّفتني كل صديق ملّ من انتظاري حتى أردّ عليه.
اشت Read أبي قبضته حتى غرزت أظافره في معصمي: «جون، وقّعي على السطر».
لم أحرّك يدي قيد أنملة.
تنحنح دوبس وقلّب الأوراق ليبلغ صفحة لم أرها من قبل: «ثمة بند هنا. المادة 9». تلاها بنبرة رتيبة باردة: «أي إخلال باتفاقية الكتمان — أو أي تصريح يخص المسألة المعلومة لكلا الطرفين — يترتب عليه التصفية الفورية للتركة الائتمانية لآل بيل من جهة الأم».
تركة أمي. الشيء الوحيد المتبقي منها الذي لم يبعه بعد.
دنا مني أبي حتى لفحتني رائحة الجين من أنفاسه: «سمعتِ؟ إن نطقتِ بحرف واحد حرقتُ آخر ما بقي لكِ منها. وقّعي... وإلا حرّكت يدكِ بنفسي».
وفعلها على أي حال. أجبر أصابعي على الإطباق على القلم، وجرّ خطاً عشوائياً فوق الورقة لا يمتّ لتوقيعي بصلة، لكنه سيمرّ معتمداً في أي محكمة ذات شأن.
كان لوكا يراقب المشهد دون أن يطرف له جفن. وحين اعتدل أبي راضياً عما فعل، وقف لوكا هو الآخر — بتؤدة وتمهّل، كمن ليس لديه أي مكان آخر يذهب إليه على وجه الأرض.
قال: «اتركونا». لم يرفع صوته، فلم يكن بحاجة إلى ذلك.
بدأ الموظفون بالتحرك قبل حتى أن يتم أبي إيماءة رأسه. لملم دوبس ملفه وكاد يهرول خارجاً، وتلكأ أبي عند الباب لثانية إضافية، وكأنه يريد أن يقول كلمة أبوية، ثم تراجع... فهو لا يفعل ذلك أبداً.
صدرت تكتكة القفل، ثم انغلاق المزلاج — صوت ثانٍ، أثقل، يحسم كل شيء.
أصبحتُ وحيدة معه الآن.
قطع لوكا الغرفة في 4 خطوات. تراجعتُ حتى اصطدمتُ بالطاولة، فحزّت حافتها في فقرات ظهري، وأطبقت يده على فكي قبل أن أقرر في أي اتجاه أهرب.
قال وهو يمرر إبهامه على شفتي السفلى: «فمكِ ما يتحرك... سمعت هالشي عنك، وما صدّقت إلا الحين».
حدقتُ فيه دون أن أنبس بحرف. فهذا هو سلاحي الوحيد الباقي.
وجدت يده الأخرى درزة فستاني الجانبية — ذلك الحرير الذي اختاره أبي لأنه يبدو جذاباً في عدسات التصوير — ولم يسحب سحّابه، بل مزّقه؛ جذبة واحدة حاسمة، فتمزق القماش من الورك حتى الضلوع كأنه ورق يستسلم للتمزيق.
شهقتُ. بلا صوت. مجرد أنفاس تائهة، وجسدي ينتفض بكامله متصلباً ضد الخشب.
تأمل وجهي بدلاً من الهدب الممزق وقال: «هذا جديد... يخرج منكِ صوت، بس مو كلمات».
أحاطت يداه بخصري ورفعني فوق الطاولة وكأني ريشة بلا وزن، فالتصق ظهري بالخشب البارد حيث كان قلم أبي ما يزال ملقى بلا غطاء بجانب الوثيقة. انفرجت ركبتاي حول وركه قبل أن أتمكن من صده، واندفع فخذه بقوة بين فخذي، فاهتزت الطاولة تحت ثقل وزنينا.
ابتلعتُ غصة حارقة من الغيظ كانت تصعد في حلقي. لن أصدر أي صوت بعد الآن. لن أمنحه هذا الرضا أبداً.
همس بجانب أذني، وأنفاسه تكوي جانب عنقي: «الكل يحسبكِ مكسورة... لكني ما أظنكِ كذا. أظنكِ تخفين شيئاً كبيراً لدرجة أنه خاط فمكِ وقَفَله».
انزلقت كفه صاعدة — ببطء وتأنٍّ متعمد — فوق الحرير الممزق، فوق بشرتي العارية، متجاوزة ركبتي، نحو باطن فخذي حيث لم يجرؤ أحد، ولا مخلوق طوال عام كامل، على لمسي هناك.
قبضتُ على معصمه. لم يتوقف، ولم يُبطئ حركته حتى.
تمتم قائلاً: «العقد يقول إني أملك هذا الصمت الحين، ويقول إني أنا اللي أقرر وش يكسره».
غرستُ أظافري في ساعده، فتركني أفعل، كأن الألم لا يعنيه، أو كأنه يدوّنه في ذاكرته ليحاسبني عليه لاحقاً.
لامست شفتاه حافة أذني، وانخفض صوته ليصبح أكثر خشونة وعمقاً: «دوبس كتب المادة 9 لمصلحة والدكِ... لكني كتبتُ بنداً ثانياً، بنداً ما قرأه».
تجمّدت في مكاني.
قال: «تتكلمين لما أقرر أنا أنكِ تتكلمين... مو قبلها».
واصلت يده صعودها، بأناة أشد هذه المرة، وبسط أصابعه فوق بشرة لم يلمسها كائن منذ الجنازة، منذ قطعتُ العهد، منذ قررتُ أن فمي حجرة موصدة لا يملك مفتاحها سواي.
همس وشفتاه تداعبان شحمة أذني، وإبهامه يضغط أسفل الحاشية التي كان قد دفعها سلفاً إلى أعلى وركي: «قولي لي... باسم مين بتصرخين أولاً الليلة؟».