رجوع

عروس شيطان المافيا

0%

Chapter 2 · جناح الإشارة الميتة

عروس شيطان المافيا Chapter 2

الفصل 2: جناح الإشارة الميتة

«ادخلي»، قالها لوكا، وانطبق الباب خلفنا كأنه قفل خزنة تُوصد. سَمِّ هذا الجناح أسراً إن شئت، وسَمِّ الارتجاف في يديّ خيانةً من جسدي. هذا قانون المافيا المظلم، يجري تحته انجذابٌ حسيّ يثقل الأنفاس، فيما لا يزال قانون الشارع يزعم أن من يمسّها هالك لا محالة.

لم يكن لصوت القفل نقرةٌ مألوفة، بل دوى ارتطامٌ أصمّ في عمق الإطار؛ من ذلك الصوت الذي يخبرك أن المزلاج فولاذ خالص، وأن المفصلات مثبتة بجدار لا يقيم وزناً لمعايير السلامة. بعدها بثانية، ارتطم ظهري بالباب لأنه هو من دفعني إلى هناك، كفه مبسوطة على عظم صدري، بقوة لا تترك كدمة لكنها كافية لسمري مكاني.

قال: «الجوال».

لم أتحرك. فمدّ يده بنفسه إلى جيب معطفي، وتناوله، ثم ألقى به على طاولة المدخل مقلوباً على وجهه. لا أثر لأي برج شبكة، لا إشارة على الإطلاق، ولا حتى علامة (X) الصغيرة التي تعني البحث عن تغطية؛ مجرد لوح زجاجي ميت.

قال بنبرة عادية وكأنه يخبرني بتعطل جهاز التكييف: «الدور كله مشوّش عليه. لا شيء يدخل ولا يخرج. محاميك بيحسب إنك متعمّدة تطنّشين وما تردين».

نظرتُ إلى الهاتف الميت بدلاً من أن أنظر إليه، وكان ذلك خطأً. رفع ذقني بإصبعين، بضغطٍ لا يكاد يُذكر، لكنه بطريقة ما بدا كقبضة خانقة تلتف حول عنقي.

قال: «طالعي فيني وأنا أكلمك.. أو لا تطالعين، ما تفرق. أصلاً أنتِ ما تتكلمين».

إنه يدري، بالطبع يدري؛ فأبي باع له هذا الصمت عبر الطاولة قبل ساعة وكأنه ميزة استثنائية، لا جرحٌ غائر.

وقبل أن أتمكن من إشاحة وجهي، انقضّ فمه على فمي. لم تكن قبلة بقدر ما كانت استيلاءً عدائياً؛ قبضت يده على شعري ليثبت زاوية رأسي، وتكدس جسده فوق جسدي ليلصقني بالباب حتى لم يعد هناك متسع لأهز كتفاً. أطبقتُ أسناني وعضضته بقوة. أحسست بدمه قبل أن أستطعم نكهته، نحاسياً ودافئاً، فتجمّد مكانه لنصف ثانية.

ثم أطلق ضحكة خافتة عند شفتيّ، كأني قد أكدتُ له أمراً كان يرجوه.

قال: «هذه أنتِ إذاً».

لم يتراجع، بل زاد من اندفاعه وثقله، يلعق الجرح الذي أحدثتُه ويدفعه إلى داخل فمي، فاستجاب جسدي بردة فعل مخزية؛ إذ لانَ ورضخ في النقطة ذاتها التي كان عقلي يصرخ فيها محذراً. انطبقت أصابعي على ياقة سترته كأني أحاول دفعه، لكني في الحقيقة لم أكن أدفع شيئاً.

همس عند فكي وهو ينحدر نحو زاويته، يجر أسنانه ببطء: «ما عندك شيء تقولينه؟.. أبوك يقول إنك ما نطقتِ بكلمة من سنة كاملة. وأنا أشوفه كذاب، أظنك بس تنتظرين السؤال الصح».

أطبقتُ شفتي ولم أنبس. كان قلبي يسابق نبضه، كأنه يركض بسرعة 80 في طريق سرعته 40.

ظل فمه عند زاوية فكي. كان القفل قد حسم أمره بالفعل، أما قراري أنا، فكان متأخراً.

قال: «سنة من السكوت، وأول غرفة تبذلين فيها صوتك هي غرفتي. أبوك بيكره هالشي أكثر حتى من كرهه للعقد».

قلت: «ما ادخرتُه عشانك. ادخرتُه لأن الوعد الميت كان الشيء الوحيد اللي ما قدر يوثقه عند الموثقين».

«أجل ابذليه هنا. الباب مقفول، وهو وراء هالصوت الثقيل.. وهذا هو الجزء الرخيص من الموضوع».

«ما فيه شيء رخيص بيدك وهي على صدري».

«صادقة». لم يبتسم، ثم أردف: «قولي وش اللي دخلتِ من هالباب وأنتِ بعدك تملكينه».

«التسجيل. والخزانة. والأرقام الأربعة. لا اسمك أنت، ولا حملته الانتخابية».

قال: «تقدرين تحتفظين بالأرقام الليلة. لكن لا تسوين نفسك متفاجئة من القفل؛ أنتِ شفتيني وأنا أرده بنفسي».

«شفتك تشتري صمتاً، وبعدها تطلب منه يؤدي دوراً».

«أنا أطلب منك أنتِ. أنا رجل مختلف، وبشروط أسوأ لو ودك أسمّعك إياها بصوت عالي». ظل إبهامه ثابتاً تحت عظم ترقوتي دون أن يرتفع: «قولي لي أرفع يدي».

قلت: «ارفعها وبأفكر في الباب. اتركها وبأفكر ليش ما ضيعت هالسنة على أي أحد غيرك».

«هذا جواب».

«هو الجواب الوحيد اللي بتاخذه قبل ما أتذكر كيف أرجع جبانة من جديد». نظرتُ إلى إطار الباب الموصد، لا إلى شفتيه، وأضفت: «أبوي ما يخطو داخل هالباب. لا عشان صورة، ولا عشان تصحيح، ولا عشان يمسك يدي على قلم. قل إنك فاهم هالشي، وإلا رجّع العقد للطاولة».

قال لوكا: «فاهم. هو باع الساعة، بس ما له حق في الغرفة اللي بتصير فيها».

«عيدها.. بس بدون نبرة كاتب العدل».

«ما له دخل بالغرفة». كانت كلماته أخفت هذه المرة، واستقرت في النفس. «جا دورك. انطقي اسمي، ولا تقولينه كأنه بند في فاتورة».

«لوكا». كرهت كم كان وقعه ملائماً على لساني. «الباب يظل مقفولاً. هذا هو العهد، ولا تطلب مني عهداً ألين منه وسترتك ما زالت في قبضتي».

اعتدل في وقفته، فتغير الهواء بيننا؛ صار أبرد، وعاد طابع العمل والصفقات، لولا أن كفه ظلت منبسطة فوق أضلاعي، وكأنه يتردد إن كان سيعدها.

قال: «رقم الخزانة. تعطيني إياه، وأنا بنفسي أفتح لك الباب، وترجعين لمكتب أبوك الليلة.. جربي وشوفي».

لم أجب، ولم أرمش حتى بطريقة يمكن أن تُفهم على أنها رد.

«تمام». أدخل يده في جيب سترته وأخرج ورقة مطوية، ونفضها لتنفتح بيد واحدة؛ كان ملحقاً لعقد، سطور فارغة حيث ينبغي أن تكون الأسماء، وسطور فارغة للأرقام. بسطها على صدري، وراحة كفه فوق الورقة وفوقي، كأنه يتحسس نبضي عبرها: «ملحق عقد زواج. ما زال فاضياً. كنت ناوي أخليك تقرئينه قبل ما توقعين أي شيء ثاني الليلة.. بس تغيرت الخطة».

وامتدت يده الأخرى إلى حزام بنطاله.

صوت فكّ الإبزيم خافتٌ ومتقن، لكنّه وقع عليّ أشدّ من أيّ كلمة قالها أبي على تلك الطاولة. أدركتُ غايته منه تماماً قبل نصف ثانية من أن يستخدمه—لا على نفسه، بل عليّ؛ لفّه دورةً واحدة حول معصميّ وسحبهما خلف ظهري بحركة واحدة تكاد تكون رقيقة، تكاد تكون حذرة، وذلك في حدّ ذاته أشنع بمراحل ممّا لو تعامل معي بقسوة.

قال وهو يخفّض صوته، يهمس به عند أذني مباشرة: «قولي الرقم، وكل هذا بينتهي. كلّه. الحزام، والورقة، وإيديني. تطلعين من هالباب ولا عاد ألمسكِ بعدها أبد.»

هززتُ رأسي نفياً.

قال بنبرة بدت قريبةً من التحبّب، كأنني طفلة لا تكفّ عن مدّ يدها نحو الموقد: «جوابكِ غلط.»

دسّ الملحق الفارغ للأعلى ليُحصر بين الباب وعمودي الفقري، ويتجعّد تحت معصميّ المقيّدين، ثم عاد إلى عنقي كأنه لم يبتعد قط—إلا أن حذره تلاشى هذه المرة تماماً. تحسّس فمه امتداد رقبتي، واحتكّت أسنانه نزولاً، ببطءٍ وتعمّد، فوق الوريد الذي كان ينبض بقوةٍ جعلتني أسمع قرعه في أذنيّ. لم تكن عضةً بعد، بل نذيراً بها، اختباراً ليرى أيّ صوتٍ سينفلت مني.

لكنني لم أصدر صوتاً. عضضتُ بدلاً من ذلك باطن خدّي، وتذوّقتُ دماً يخصّني هذه المرة.

ارتفعت ركبته بين ساقيّ بثقل، تباعد فخذيّ عبر الحرير، واستسلم الرداء الذي كان قد أرخاه في الممر أخيراً—انزلق الحزام حراً، وانفرج القماش عند وركي، لتلفح بشرتي العارية برودةُ الهواء المدوّر في غرفةٍ بلا نوافذ، وبلا إشارة هاتف، ودون أي سبيل لأن يأتي أحدٌ للبحث عني.

انزلقت يده على فخذي التي تعرّت للتوّ، بتمهّلٍ كأنه يتهيبها، وتفرّقت أصابعه كأنه يقيس شيئاً، بينما خشنت أنفاسه عند عنقي.

قال وأسنانه ما تزال عند موضع نبضي، وركبته ما تزال محشورة بين ركبتيّ، ويده تصعد أعلى فأعلى على بشرةٍ ما كان ينبغي لها أن ترتجف على هذا النحو: «آخر فرصة قبل ما أبطّل أطلب بالذوق... عطيني الرقم يا جون.»

أحسستُ بأسنانه تضغط—لا تعضّ، بل تضغط—فوق الوريد مباشرة، ودفعت ركبته رداءي ليُفتح ما تبقّى منه تماماً عند وركي.