Chapter 3 · قطع التيار الكهربائي

الفصل 3: اقطع الكهرباء
"انطقي." ظلّت أسنانه تلامس موضع النبض في عنقي، لم يعضّني، بل اكتفى بوضعها هناك كعهدٍ لم يحسم أمره في الوفاء به بعد. "رقم واحد يا جون. هذا كل اللي أطلبه منك، لا غير."
لم أجب. ولم أكن قادرةً على ذلك، وجوفي ينزف دماً من داخل خدي، وركبته محشورة بين فخذيَّ حتى لم يعد للحرير متسع ينزلق إليه. كان معصماي يلتهبان تحت وطأة حزامه المشدود بقسوة خلف ظهري. كان الباب لا يزال يفصل بيننا وبين الرواق، لكنني سمعتُ شيئاً الآن... وقع أحذية ثقيلة، أكثر من زوج، تتقدّم بخطى سريعة فوق الرخام.
قلتُ: "في أحد جاي." خرج صوتي متهدجاً مكسوراً، كأن عاماً كاملاً من الصمت انشطر من منتصفه تماماً.
رفع لوكا رأسه عن عنقي، وبدا لثانية واحدة كأنه مستمتع بما يسمع: "أول كلام تنطقينه من سنة كاملة، ويطلع تحذير؟ حلوة منك والله."
"لوكا—"
"ولا كلمة." ضغط بإصبعين ممدودين على عظمة قفصي الصدري، في الموضع الذي كان قلبي يكاد يقفز منه خارج صدري. "ما تتكلمين إلا إذا قلت لك وش تقولين."
دوى الارتطام بالباب الخارجي؛ لم تكن طرقة، بل ضربة بمِدَقّ اقتحام. صرخ المعدن وهو يحتكّ بإطار الباب، فهوت معدتي في قاع سحيق.
قلت: "هذا أبوي. ما يرسل رجاله عشان ينقذون أحد، يرسلهم عشان ينظفون وراهم."
تصلب فكّ لوكا. وكان قد مد يده من حولي ليلتقط الملحق الإضافي الفارغ الذي لا يزال متجعداً عند خاصرتي، ذلك الذي تلطخ فيه نصف توقيعي حيث سحب إبهامه فوقه. "أجل بنعطيه شي ما يقدر ينظفه."
"وش جالس تـ—"
دفع الورقة في يديَّ الموثوقتين: "كمّليها. وقّعي الملحق. الحين، ويدينك كذا، بأي طريقة تقدرين عليها."
"ما أقدر أمسك قلم، وأنت رابط—"
"استخدمي فمك أجل." انخفض صوته، جامداً وبشعاً وجاداً لأقصى حد. "تصيرين زوجتي بالكامل في خلال العشر ثواني الجاية، أو رجالي يفتحون ذاك الباب على مشهد احتجاز رهينة مو زواج. اختاري يا جون."
حدقتُ فيه. وفي القلم الذي رفعه على بُعد بوصة واحدة من شفتيَّ. وفي الباب الذي عاد يرتجّ في إطاره، ومفصلاته تصرخ تحت الضرب.
قلتُ: "مستعد تخليهم يحسبوني أسيرتك، بس عشان تتفرج علي وأنا أوقّع بأسناني."
"أخليهم يحسبون أي شي يبعد شارات الفيدراليين ويمنعهم يحطون رصاصة بسقفي." دنا مني، فلفحت أنفاسه الحارة أذني: "عصابة أبوك ما هم جايين عشانك. جايين عشان البطاقة المشفرة اللي بجيبي، وجثة تنرمي على السجاد. حزري جثة مين؟"
أصابت كلماته الهدف. تسارعت ضربات نبضي بقوة حتى كدت أسمع دويّها في أذني.
قال ثانية، بنبرة أخفض هذه المرة، تكاد تكون رقيقة، وهو ما جعل الأمر أسوأ بكثير: "وقّعي. تزوجيني على الورق مع النفس الجاي، ويصير عندي مبرر قانوني أحبس حرمة ساكتة ما تنطق داخل جناحي. ارفضي، وأصير مجبور أبرر وجود جثة."
أمسكتُ القلم بين أسناني. ولم تكن يداي الملتويتان خلف ظهري قادرتين على مدّ يد العون إطلاقاً؛ فاضطر هو إلى تثبيت الورقة على الجدار بنفسه، باسطاً إياها براحة كفه على بُعد بوصة من وجهي، بينما خططتُ خطاً معوجاً فوق خانة التوقيع. تلطخت شفتي بالحبر، وذقتُ طعم المعدن وبلاستيك أقلام الحبر الجاف الرخيصة.
كان الحبر لا يزال عالقاً بشفتي، ولم تفارق يده الصفحة.
قال: "لطختي الخط بالعمد."
قلتُ: "لطخته لأن يدي ما خُلقت عشان تنحبس في خانة توقيع. لا تفسرها على كيفك وتسويها طاعة."
"أجل اعطيني 'لا' أوضح، أو 'إيه' أوضح. العد التنازلي ما راح يختار بدالك."
"لوكا." ابتلعتُ طعم المعدن والحبر. "ارجع اسألني إذا شلت القلم عن فمي."
غمغم قائلاً: "شاطرة والله." واضطرب شيء في صدري وانقلب رأساً على عقب، رغم أنني كرهته أشد الكره لأنه قالها.
تلقى الباب ضربة أخرى، وتطايرت شظايا الخشب من جوانب الإطار.
شتم لوكا، وأمسك بكتفي وجذبني بقوة بعيداً عن الجدار. صرخ بنبرة آمرة دون أن يوجّه حديثه لأحد، بل للغرفة نفسها: "النور!"، ثم اتجه بخطى سريعة إلى لوحة قواطع لم ألحظها من قبل، كانت شبه متوارية خلف الستارة. فتحها بعنف، وفصل القاطع الرئيس بضغطة قوية واحدة. غرق الجناح في ظلام دامس، باستثناء شريط ضوء يتسرّب من أسفل الباب من الرواق.
قلتُ: "إذا كان ظلام، بيحسبون أن فيه مصيبة صايرة داخل."
"وفيه مصيبة صايرة فعلاً." سحب الستائر الثقيلة فأغلقها على النافذة، ليغرقنا في ظلمة أشد حلكة، ثم عاد نحوي، والحزام لا يزال ملتفاً بإحكام حول معصميَّ. "لو شافوا نور، بيشوفون مسرح احتجاز رهينة مفضوح للكاميرات. لو شافوا ظلام، بتهدا حركتهم ويتباطؤون. وهذي هي الخمس ثواني اللي محتاجها."
"خمس ثواني عشان وشو؟"
لم يجبني بكلمات. بل جذبني بقسوة إلى السجادة—سجادة الصوف السميكة الممدودة أمام خزانة التسجيلات الفولاذية، تلك التي ظللتُ أحدق فيها طوال 20 دقيقة محاولةً ألا أفكر بما تحويه—وهوى فوقي بكامل جسده، دافعاً بركبته ساقيَّ لتتباعدا من جديد حتى قبل أن يلامس جسدي الأرض.
"لوكا، بيكسرون الباب بأي ثانية—"
"أجل بنعطيهم مشهد ما يقدرون يقبضون على أحد فيه." اهتدت يده إلى الشق الممزق في ثوبي، حيث انزلق الحرير عن وركي بالفعل، فسحبه ليكشف الباقي، عارياً من عظمة الترقوة حتى فخذي. لفحني الهواء البارد فشهقت. "اثنين متزوجين على الأرض. لا رهينة، ولا مسرح جريمة. مجرد زوج مو قادر يشيل يده عن زوجته."
"ذا جنون—"
"إلا قانوني بحت." هوى فمه على ترقوتي محتكّاً بأسنانه، وشعرتُ بزمجرته المكتومة بأعماقي أكثر مما سمعتها بأذني: "كل شي بسويه فيك الحين قانوني تماماً وبأدق تفاصيله يا جون. وهذي هي الغاية من الورقة اللي وقّعتيها بأسنك توّك."
انزلقت يده على أضلاعي، ثم بطني، وهبطت أكثر، خشنة وواثقة، كأنه يعرف سلفاً مواضع مقاومتي ومواضع استسلامي. التويتُ تحته—لا مبتعدةً عنه، ليس حقاً، إذ تقوس جزء خائن من جسدي نحو الأعلى ليلقى راحة كفه، قبل أن يستوعب عقلي ما حدث وأمقت نفسي عليه.
«انطقي بالرقم»، قالها وهو يهمس ملاصقاً لبشرتي للمرة الأخيرة، وصوته يتقطّع بخشونة: «آخر فرصة لكِ قبل ما يصير إيقاف اللي بيصير أصعب بكثير».
عضضتُ على باطن خدي المجروح بدلاً من أن أجيبه؛ فصمتي كان الشيء الوحيد المتبقي لي، والوحيد الذي ما زال ملكي وحدي.
تصدّع الباب الخارجي — لم ينكسر بعد، لكنه كان وشيكاً، والخشب يصرخ تحت وطأة المزلاج — ومن ورائه في مكانٍ ما، نبح صوت رجلٍ بأمرٍ أعرفه جيداً، صوتٌ فاترٌ وقاسٍ، كأنه صوت والدي وقد تحوّل إلى نبرة آمرة لشخصٍ آخر: «الاقتحام عند العد لثلاثة. كرو أولاً. واتركوا البنت».
«اتركوا البنت». وكأنني لم أكن حتى السبب الذي جلبهم إلى هنا.
تجمّد جسد لوكا بالكامل فوقي لنصف ثانية، يزن الأمور ويحسبها، ثم ضغط بثقل وركيه بقوة أكبر، ليسمّرني تماماً فوق الصوف، وأنفاسه اللاهثة تلسع منحنى خاصرتي عبر ما تبقى من ثوبي. ارتجّت الخزانة الفولاذية خلف مؤخرة رأسي من شدة الدفعة، وغار المعدن البارد في خصلات شعري.
دوّت وقع أقدام ثقيلة تقترب كالصاعقة نحو الباب، في الخارج مباشرة، قريبة لدرجة أنني ميزت صرير نعال الأحذية فوق الرخام.
قال الصوت: «ثلاثة».
عادت أسنان لوكا لتتلمّس عنقي من جديد، فوق موضع النبض مباشرة، وهذه المرة أحسست به يعضّني بقوة.