Chapter 4 · على مفصل الشفرة

الفصل 4: على حدّ الشفرة
«انطقي بالرقم يا جون.»
كانت الخزانة الفولاذية تنغرس في قفا رأسي ببرودة جعلت عينيّ تدمعان، بينما بقيت كفّ لوكا كرو مفرودة على وركي كأنه وقّع سلفاً على ملكية العظم القابع تحته. كانت تنورتي مرفوعة حتى خصري، وحزامه مفتوحاً يتدلى، ليلسع جلده فخذي مع كل حركة يميل بها بثقله بين ركبتيّ.
لم أجب. عضضت باطن خدي حتى تذوقت طعم النحاس، واكتفيت بهزّ رأسي نفياً.
«لا؟» انخفض صوته كأنه حجر يُجرّ على صخر: «سنة كاملة وذا الفم ساكت، وجاية الحين تعانديني؟»
ارتطم شيء بالباب الخارجي بفرقعة مباغتة. لم تكن طرقة، بل رصاصة مسدس مكتومة عبر الخشب، تلتها طلقتان سريعتان. رجال أبي؟ أم رجاله هو؟ لم أستطع تمييز أصحاب البساطير التي تضرب أرض الممر، ولثانية واحدة تسمّر كلانا، نستمع إلى رجال يتصيدون بعضهم خلف 3 جدران، بينما ظل وركاه ملتصقين بي بإحكام.
لم يلتفت لوكا حتى برأسه.
قال ببرود كأنه يعلّق على حالة الطقس: «تجاهلي الأمر، رجالي قايمين بالواجب.»
«أنت حتى لا تـ...» انغلق حلقي على بقية الكلمات. فصمتُ عامٍ كامل لا ينفكّ بأمر عابر، حتى وإن كان ثمة اشتباك بالرصاص على الجانب الآخر من الباب. أمسكتُ بمعصمه، وغرست أظافري في جلده كـ 4 أهِلّة، ودفعته. لم يتحرك قيد أنملة.
قبض على فكي عوضاً عن ذلك، وضغط بإبهامه على مفصله، رافعاً وجهي كأنه يقرأ رمز قفلٍ يملكه بالفعل.
قال: «إما تصرخين لي، وإلا تعطين الرقم. اختاري لك واحدة يا عروسي الصغيرة. تراني ماني برجل صبور في أحسن أيامي، واليوم عاد فيه من يرمي الرصاص في مبناي.»
استمر إطلاق النار رتيباً ومكتوماً، يقرع الجدار كالمطرقة، ونبضي يجاريه دقة بدقة. تحتي، كانت رائحة السجّاد تفوح بزيت السلاح وخشب الأرز — خشب أرزه هو، ورائحة جلده، اجتياحٌ عِطري تام حتى لم أعد أجد رائحة جلدي تحته. انزلقت يده الحرة لتغطي فمي، بحركة لم تكن عنيفة بقدر ما كانت حاسمة، قاطعةً حتى الهواء الذي كنت سأحتاجه لأكذب عليه. كان حرماناً حسياً متعمداً، كأنه يريد عزلي داخل رأسي دون سواه، مع ثقله وصوته فقط.
همس عند أذني بنبرة أكثر هدوءاً، وكان ذلك أشد وطأة: «قوليه... رقم واحد من 4 خانات. وأنا أبطّل أطلب منك تصرخين، وأخليك تصرخين غصب.»
غرست أسناني في فكّه عوضاً عن الرد. لم تكن قبلة، بل عضة قاسية بطول عظم فكه ذي اللحية الخشنة. خرجت منه فحيحة ألم مكتومة — أول صوت أنتزعه منه دون حسابٍ مسبق — وتجمد على بُعد بوصة واحدة من النقطة التي لن يتمكن أيّ منا من التراجع بعدها.
تمتم وهو يلمس فكه: «يا ساتر...» لم تكن هناك دماء، أو بالكاد. نظر إليّ بشيء لم يكن غضباً، بل أدهى وأمر: رغبةٌ شُحذت كالنصل. «تبينها بخشونة؟ زين، نلعب بخشونة.»
تلقى الباب الخارجي صدمة أخرى، وتطايرت شظايا الخشب في الممر، وصرخ رجل بكلمة لم أتبينها وسط هدير الدم المتدفق في أذنيّ. ثم ساد سكون، تلاه صراخ مجدداً، هذه المرة أقرب، وبساطير تضرب الرخام كنبض قلب ثانٍ يتسابق مع نبضي.
حاولت القول: «هم في المبنى...» لكن لم يخرج مني سوى أنفاس متقطعة، بينما كان الذعر ينهش حلقي. في تلك الأثناء، ابتسم لوكا ببطء مريع، كأن الفوضى تثيره وتغريه أكثر مما تخيفه.
صحح لي وهو يمد يده بمحاذاة رأسي إلى درج مدمج أسفل الخزانة: «بل في ممرّي.» وأخرج قلم الحبر السائل من طاولة توقيع العقود؛ كان ثقيلاً بسنّ ذهبية، وهو ذات القلم الذي دسه والدي في يدي قبل 3 أيام. أطبق أصابعي حوله بقوة أورثتني كدمة، وشعرت بقبضته تترك أثر كدمة جديدة فوق القديمة تماماً.
قال: «اكتبي، أو لا تكتبين. لكن حطي في بالك: اللحظة اللي ينكسر فيها ذا الباب، كل من يدخل بيشوف بعينه وش قاعدين نسوي. فإما تعطين الـ 4 خانات ونقفل الموضوع مثل ما أبي، وإلا نكمل وقدامنا جمهور.»
همست وأنا أتنفس بصعوبة: «ما تسويها...» غير أنني لم أكن متأكدة، وهو يعلم شكي، وكان ذلك التردد بحد ذاته حبلاً يلتف حول عنقي.
قال: «جرّبيني وبتشوفين.» انتقلت يده من فمي إلى ياقة قميصي ومزقها بحركة واحدة حاسمة، فسمعت تمزق القماش قبل أن أشعر بلسعة الهواء البارد على عظمة ترقوتي. لم يحوّل عينيه عن وجهي وهو يفعل ذلك، وذلك بالتحديد ما أرعبني؛ لم تكن قوته هي المخيفة، بل الصبر الكامن خلفها، وكأن ليلته طويلة لا تنتهي، وصوت الرصاص ليس سوى نغمة عابرة في الخلفية.
دوّت رشقة أخرى مكتومة عبر الجدار، أقرب هذه المرة، قريبة لدرجة أن غبار الجص تناثر من السقف ليستقر على كتفه كالثلج. نفضه ببرود دون أن يقطع تواصل عينيه مع عيني.
قلت وأنا أستجمع بقايا صوت لم أدرك أنني ما زلت أملكه: «رجال جالسين يموتون عشان هالرقم.»
أجاب: «الرجال طول عمرهم يموتون عشان شيء، والليلة يموتون عشانك.»
دفع وركيه للأمام، ببطء وتأنٍ، وشعرت بحرارته الغليظة اللافحة تقترب مباشرة من آخر طبقة رقيقة تفصل بيننا. لم يخترقها، بل استقر هناك كوعيد صريح. تجمد جسدي كله، وارتجف فخذاي في مواجهة فخذيه، ومقتُ بشدة كم كان في تلك الرجفة ما ليس خوفاً أبداً.
قال عند أذني، وصوته قد غاص في خشونة ودخان: «عطين الرقم، وإلا هلكتكِ الحين، بالرقم أو بدونه. وأنتِ اختاري.»
عامٌ كامل من الصمت كان جاثماً خلف أسناني، أثقل من أي عبء حملتُه منذ تلك الغرفة في المستشفى، منذ أن ارتخت يد أمي في يدي. 4 خانات... هذا كل ما يتطلبه الأمر ليغدو الرصاص في الخارج بلا معنى، وليتوقف هو، ولينتهي كل هذا بشروطي أنا لا بشروطه. 4 خانات، وسأصير ملكاً له بكل الطرق التي لم تُدوّن بعد على الورق.
انفرط شيءٌ في صدري وتصدّع، شيءٌ ظلّ موصوداً بإحكام لثلاثمئة يومٍ ونيّف.
تسمّر هناك ملاصقاً لجسدي، على بُعد تلك البوصة الأخيرة، ولم يلج بعد.
انفرجت شفتاي.
«ليس بعد.»