رجوع

مسألة السيدة هـ

0%

Chapter 1 · المجلس الصامت

مسألة السيدة هـ Chapter 1

يفوح المجلس برائحة العود والقهوة التي لا يكفّون عن صبّها. أنا واقفة؛ لم يعرض عليّ أحدٌ الجلوس، ولن أطلبه.

يقرأ الرجل الذي يحمل الملف اسمي: هدى العنزي. يقرأه مرتين، كأنما التكرار في المرة الثانية سيقلل من شأنه.

يقول: «نظرة. هذا ما قيدناه عندنا؛ نظرة، في الحادية عشرة وأربعين دقيقة.»

يعجّ المجلس بالثياب البيضاء والهمس الخافت. وفي الصدر، شيخٌ لم أُعرَّف به يدير فنجانه من عروته، ويضعه دون أن يذوقه، ولا ينبس ببنت شفة، وهكذا يتعلّم المجلس كلّه أن يصمت بصمته. وتدور الدلّة من جديد؛ باليمين، نصف فنجان، وتمرٌ عند الحافة.

أمسك عباءتي من الأمام بإصبعين لأبقيها مغلقة. انزلقت الطرحة عن صدغي وتركتُها كما هي؛ فلو عدّلتُها لحكموا بأنني متوترة.

على المساند البعيدة، امرأتان أدلتا بنصيبهما وانتهتا. تنطق إحداهما باسمي كما يُسمّى شيءٌ عُثر عليه ملقىً على الأرض ويُراد ردّه.

ثم يأتي التدوين.

يقول حامل الملف: «ستشهد الشاهدة بأن السيدة كانت آخر من رُئيت—»

«قف.»

لم يرفع سلمان الحميد صوته، ولم يقم من مكانه. كان طوال هذا الوقت في طرف المجلس، يحرك مسبحته حبةً حبة، والآن سكنت حباتها.

يقول: «هذا لم يُقيَّد.»

يرفع الكاتب سنه عن الصفحة ويثبته معلقاً. نجمةُ حبرٍ رطبة وصغيرة تتسع عند طرف السن.

لم يتنفس أحدٌ في المجلس في اللحظة ذاتها. وخلف الباب البعيد، لاح ظلّ خادمٍ عند العتبة، ووقف ينتظر، دون أن يطرق.

يقلب الكاتب الصفحة كما يقلب المرء شيئاً يخشى أن ينكسر بين يديه. لا ينظر إلى سلمان الحميد، ولا ينظر إليّ.

يقول: «شُطب. لن تذكره الشاهدة.»

يقول سلمان: «الشاهدة لم تذكر شيئاً بعد؛ وتلك هي المعضلة. كنتَ على وشك أن تضع كلاماً على لسانها ثم تنسبه إليّ.»

«المحضر هو المحضر، يا أستاذ.»

«المحضر ما يُجمع عليه هذا المجلس، لا أكثر. اكتب ما قيل، لا ما كان سيُقال.»

ظل قلم الكاتب مرفوعاً، وتوقفت نجمة الحبر عن الاتساع. خطّ في النهاية شيئاً، سطراً قصيراً واحداً، وأنا أراقب يده تفعل ذلك دون أن أنحني لأرى الكلمات؛ فالمرأة التي تنحني لتقرأ ملفها الخاص كأنما اعترفت بذنبٍ ما مسبقاً.

وفي الصدر، يضع الشيخ فنجانه ثانية، وهذه المرة لم يتركه دون أن يذوقه. يشرب، فيشرب المجلس معه، وتدور الدلة دورتها مجدداً في الطرف البعيد. وظلت يداي في مكانهما.

أعرف أعراف هذا البيت وأصوله. وقفتُ في هذا المجلس من قبل، حين كانت القهوة تأتيني رابعة، ومرةً حين أتتني ثانية. أما اليوم، فالفناجين تتنقل بمحاذاة صف الثياب البيضاء وتنعطف عند الزاوية متجاوزةً إياي، وخاطفةً عينا الخادم نظرةً إلى وجهي ثم تشيحان عنه، وتلك الالتفاتة الخاطفة هي خلاصة أخبار الصباح كلها.

يقول الشيخ: «أكمل.»

يقرأ الكاتب. تاريخاً. وقتاً. غرفةً في هذا البيت، سُمّيت ببابها لا بما خُصصت له. اسمي، من جديد، ومكتوباً هذه المرة، وهو ما يجعله أثقل مما لو كان منطوقاً فحسب. ثم العبارة التي أُقيم الملف بأسره لحملها: مسألة السيدة هـ. جعلوا مني مسألة؛ وجعلوا مني حرفاً.

يقول الكاتب لي: «أنتِ تفهمين الإجراء؛ لستِ متهمة، وإنما مقيّدة.»

قلتُ وأنا أحافظ على هدوء نبرتي: «أفهم الإجراء؛ ففي هذا البيت لا يُقيّد شيءٌ إلا ليُعثر عليه لاحقاً.»

تُصدر إحدى المرأتين الجالستين على المساند البعيدة صوتاً خافتاً، ليس بضحكة، بل أشبه بصوت شخصٍ يتردد أين يضع يديه. هي ذاتها التي نطقت اسمي قبل قليل كأنه شيءٌ وُجد ملقىً على الأرض. أحدّق فيها حتى تنكس بصرها نحو السجاد، لا أشعر بمتعة في ذلك، ولا أكفّ عنه.

يقول الكاتب، وهو يقرأ من الصفحة كأنما الصفحة هي التي مَنحت ذلك: «تتفضل السيدة بالجلوس.»

لم يتحرك أحد ليفسح لي مكاناً؛ فالصف متراصّ. ولأجلس، سيتوجب عليّ أن أحمل رجلاً على إزاحة ركبته، ولن أفعل ذلك قط. لذا بقيتُ واقفة، أمسك عباءتي بإصبعين لتظل مغلقة من الأمام، والطرحة منزلقة عن صدغي حيث انزلقت حين دخلت، وطرفها مستقر على كتفي تماماً كما كان.

يقول الكاتب: «إذن، تظل السيدة واقفة.» ويكتب ذلك أيضاً، وأنا أستشفّ في نبرته نشوة شماتةٍ لئيمة وصغيرة.

عادت مسبحة سلمان تتحرك ثانية؛ حبةً حبة، بين إبهامه وسبابته، كعادته حين يزن أمراً في نفسه ولم يعزم بعد على البوح به. كان في آخر الصف حيث ينحسر الضوء ويخفت. لم يلتفت نحوي بنظرة واحدة منذ دخلتُ من الباب، وأنا أعلم تماماً ما يكلّفه ذلك، لأنني أعلم ما يكلّفني.

يقول الكاتب: «النظرة. في الحادية عشرة وأربعين دقيقة. يتساءل الملف عما كانت السيدة تفعله في الحادية عشرة وأربعين دقيقة.»

يقول سلمان: «ليتساءل الملف ما شاء، لكن المجلس لن يجيب بالنيابة عنها.»

«يا أستاذ، مع احترامي، هذا هو مجرى التحقيق.»

«إذن أجرِ التحقيق كما ينبغي.» يدير فنجانه ربع دورة من مقبضه، ويضعه، فيحضر الخادم قبل أن يخمد صوت الفنجان. «ولكن أمضِه بالترتيب؛ كان في ذلك الممر ثلاث نساء قبل أن تصبح واحدة. قيّدهن أولاً، ثم عُد إليها.»

يتحرك فم الكاتب مرتبكاً: «الشهود—»

«لم يحضروا جميعاً، لقد عددتُهم. إذن الملف قُدّم قبل أوانه، والملف الذي يُقدّم قبل أوانه هو ملف أراد أحدهم استعجاله. فمن الذي أراد ذلك؟»

لا أحد يجيب. يترك الشيخ الجالس في الصدر الصمت يمتدّ متجاوزاً الحدّ الذي يسمح به الأدب لقطعه، ثم يقول، موجهاً حديثه للمجلس دون أن يخصّ أحداً بعينه: «معه حق. الملف قُدّم قبل أوانه.»

هذا كل ما كان في الصباح، ولم يستغرق الأمر سوى أقل من دقيقة. ثلاث نساء، دلفن أولاً. الكاتب يدوّن، والناسخ يكتب. وتستقر كلمة الشيخ فوق المساند كالغبار إثر إغلاق باب.

لا أشعر بشيء أرغب في إظهاره. هذا هو الأمر الذي تعلمته في هذا البيت: غضبي لا قيمة له إن أظهرته، وله قدر عظيم إن كتمته. لذا أكتمه، وأدعه يستقر في داخلي بارداً نقياً كماء في قدح نحاسي.

يُطبق الكاتب الملف على إصبعه. «تُرفع الجلسة إلى حين اكتمال حضور الشهود. إن شاء الله، قبل نهاية الأسبوع.»

وكلمة «إن شاء الله»، من فم كهذا، تعني أن الأمر قد قُضي وأن الحبر قد جفّ. أسمعها ولا أتحرّك.

ينهض الصف. يقفون بنظام، تماماً كما جلسوا بنظام، ويتحول المجلس إلى مشهد من أكتاف وأبواب. يخرج الشيخ أولاً، ويكون سلمان آخر الرجال خروجاً، وعند عتبة الباب البعيد يتوقف ويوجه للخادم كلمة مقتضبة — لم أتبين ألفاظها، بل وقعها وهيئتها فحسب — ثم يمضي ويُغلق الباب، وتعود الغرفة لي وحدي، ويتقدم الخادم نحوي.

يقدّم الفنجان على الصينية بكلتا يديه، مطرقاً بعينيه نحو الأرض.

«يعطيك العافية»، أقول.

أتناوله بيميني. نصف فنجان لا غير، كما ينبغي أن يُصبّ، والرغوة ما تزال قائمة على حافته، ولذعة الهيل حادة بما يكفي لتلذع. حبات التمر مركونة عند طرف الصينية، فآخذ منها واحدة، وعندئذ فقط أسمح لنفسي بالجلوس على المسند الأقرب إلى الباب؛ وهو موضع جلوس الضيف لا امرأة البيت، وهو هذا الصباح المكان الذي أود أن أكون فيه تماماً.

القهوة مرة ولا أحليها. وفوق الباب البعيد، تشير الساعة إلى دقائق قليلة تجاوزت الظهيرة، والملف مغلق على طاولة أراها من موضعي هذا، واسمي مدوّن داخله برسمه الصحيح، وتلك إهانة صغيرة بحد ذاتها؛ لقد كلفوا أنفسهم العناء. ثمة من تكلّف العناء.

أرتشف قهوتي. يخلو المجلس من حولي إلا من عبق العود ورائحة قهوة لم يكفوا عن صبّها، وأجلس فيه بكامل ثيابي، وطرحتي حيث تركتها، وأحصي ما بقي في حوزتي: اسم، وهيئة، وباب لم يُطلب مني الخروج منه بعد.