رجوع

مسألة السيدة هـ

0%

Chapter 3 · الصبّة الموزونة

مسألة السيدة هـ Chapter 3

لم يأخذ الصدر.

لم يعلّق أحد، وتلك في مجلس كهذا أبلغ إشارة يمكن أن تُوجَّه لامرئ. بقيت وسائد الصدر شاغرة، وكل رجل جلس بحسب مقامه بات فجأة، وفي صمت، مجرد رجل وُضِع في موضع رُتِّب له. وقف في وسط السجادة ويداه إلى جانبيه وزرّا كُمَّيه مزروران، وهبط المجلس درجة.

كان فنجاني لا يزال منكفئاً على الصينية، لم يحرّكه أحد. حطّ الرجل الذي بجواري ركبته على السجادة ثم رفعها مجدداً، وكان ذلك الصوت الوحيد الذي صدر في أرجاء البيت.

ثم جاءت القهوة، فالقهوة تسبق الأوراق هنا. اتجهت الدلّة نحو صدر المجلس جرياً على العادة، فلم تجد من تصبّ له، فعادت بمحاذاة الجدار بحسب ترتيب المقامات. وحين بلغني المقهوي تناولتُ الفنجان بيميني. قهوة بالهيل، صُبّت من علوٍّ كافٍ ليخالطها الهواء، وتلك الإشادة الوحيدة التي يسديها أهل بيتٍ لضيف دون أن ينطقوا بكلمة. شربتُ نصفه وهززت الفنجان مرة واحدة—خلاص—فتوقّف، ثم وضعتُه.

وصل المقهوي إلى منتصف السجادة آخراً ولم يقدّم له شيئاً، فشكره على أية حال: «يعطيك العافية»، بصوت خفيض كاد يكون سرّاً بينهما. قيدت كل رأس في المجلس تلك العبارة؛ فالرجل الذي يشكر على القهوة يكون قد أحصى كل ما عداها في الغرفة ورآه في نصابه.

كان الأستاذ يضم السجل إلى صدره كما يضم الرجال شيئاً أُمروا ألا يضعوه. والآن وضعه، وبسطه على الطاولة المنخفضة، فأصدر كعبه صوتاً كطقطقة المفصل.

في رأس الصفحة، وبخط مختلف، كان أحدهم قد كتب من قبل عنوان الملف. قرأه أولاً، بدافع الواجب لا الإدراك.

مسألة السيدة هـ.

ثم قرأ الساعة، والبيت، ومن حضر فيه، ومن قُيِّد اسمه فيه. قرأ الأسماء بالترتيب المعتمد في النموذج، وهو ترتيب لا يوافق ترتيب المجلس ولا يوافق تسلسل أي مما حدث. وحين بلغ اسمي قرأه بدقة، وهو ما لم أكن أنتظره من النموذج ولا منه: هدى العنزي. حاضرة. موثقة. من الساعة الثانية حتى الرابعة.

قال: «يثبت السجل أيضاً نظرة».

تنحنح رجل خلفي ثم استدرك وأمسك، فبقي أثر تنحنحه معلّقاً في الهواء أطول مما كان ليسكنه لو أنه سعل.

أخرج الأستاذ قلمه، وكان قلماً رديئاً اضطره إلى خط ثلاث شرطات قبل أن يجود بالحبر، ولم يتعجّل في خطها، وحين سال الحبر أخيراً وضع حرفاً واحداً في الهامش الضيق حيث يحتفظ النموذج بما لا يريد الإفصاح عنه.

هـ.

جفّفه بحافة يده.

أُعطيتُ الباب، والنموذج، والتهجئة الصحيحة لاسم لم يكن موضع شك قط، وتعلّمت أن أجعل تلك الثلاثة تدوم أطول مما يتوقعه أحد. لكنني لم أُعطَ حرفاً من قبل؛ فالحرف يسافر، ينتقل من صفحة إلى أخرى طوال سنين دون أن يُضطر أحد إلى حمل وزر المرأة التي يخصّها.

قال الأستاذ موجهاً كلامه إليّ، في عبارة لم تتبيّن أهي مجاملة أم تحذير: «يا سيدتي، الهامش لا يتسع إلا لحرف واحد. هكذا هو النموذج، وهكذا تُسمّى الملفات».

قلت: «إذن فالاسم ناقص».

«إنه الهامش يا سيدتي، لا متن الصفحة».

«في ذلك الهامش متسع». لم أرفع صوتي؛ فرفعه كان سيكلّفني الوسادة ولن يشتري لي سوى الحكاية التي سيروونها عني بعد ذلك، وتلك حكاية قد سمعتها، وهي أرخص بكثير من حقيقتي. «هناك متسع، وهناك حبر. اكتب الاسم».

نظر الأستاذ إلى قلمه، ثم نظر إلى الرجل الواقف في وسط السجادة، ونظر المجلس بأسره معه دفعة واحدة، كما يلتفت السرب دون صوت.

لم يتحرك سلمان.

قال: «هدى العنزي».

كان ذلك كل ما هنالك. قالها للأستاذ، بالنبرة التي يتحدث بها رجل حين يقصد أن يُدوَّن كلامه، وتلقّف المجلس كل مقطع منها، ولم يعد بعد ذلك بوسع رجل في تلك الغرفة أن يدّعي أنه لم يعرفني قط إلا كحرف. لم يلتفت إليّ مرة واحدة، ولم يقترب من الوسادة التي جلستُ عليها؛ لقد أفرغ جملته الوحيدة في الشيء الوحيد في الغرفة الذي لا يمكن استرداده بعد قوله.

قال، بنبرة أبرد من القهوة: «وإن شاء الله ما يحتاج أحد هنا نذكّره بها مرتين».

كتب الأستاذ الاسم صغيراً ومستوياً تحت حرف الهاء، كأنه كان ينوي ذلك من البداية، وأطبق السجل على إصبعه ليحفظ الموضع.

ثمّة ست وثلاثون طريقة للقضاء على المرء في مجلس كهذا. كنتُ قد عددتها من فوق هذه الوسادة قبل دخوله، وأحصيت الزخارف على البلاط والمسافات بين الرجال، لكنني لم أحسب حسابه. كانت هذه أرخص الطرق الست والثلاثين وأقدمها، وكانت هي التي ستجدي نفعاً: يضعون حرفاً في هامش ويتركون المرأة ماكثة في الغرفة، وبحلول الأسبوع المقبل تدبّ الحياة في الحرف وتلحق السمعةُ بالمرأة، دون أن يضطر أحد إلى اقتراف أمر فجّ كالاتهام الصريح.

أما الآن، فقد سُمِّر إلى جانب الحرف اسم، اسم نُطق به جهراً على مسمع من شهود سيردّدونه، والترديد سيحمل الاسم إلى أبعد مما كان للحرف أن يبلغه أبداً. لقد جعل النموذج ينجز مهمته نيابة عنه.

لم أشكره؛ فالشكر كان سيجعله معروفاً، وما كان معروفاً، بل كان تصحيحاً، والتصحيح حقٌّ مستحق.

وضعتُ فنجاني معتدلاً على الصينية، موجهاً إلى أعلى هذه المرة، وعدّلت قدميَّ بحيث لا يشير باطن قدمي إلى أي رجل في الغرفة، وبقيت.

فلينقلوا الحرف إذن؛ إنها كلمة قصيرة، ولن تعمّر أطول مني.