Chapter 1 · عودة الشاهد
كانت تفوح في مجلس عمّي رائحة عودٍ يشتعل منذ ما قبل وصولي، يعبق معها الهيل، ورائحة مطرٍ تأخّر على الرياض هذا العام. خمس سنوات والمقاعد هي المقاعد لم تتغيّر؛ الدلّة النحاسية ذاتها عند طرف السجّاد، واليد نفسها تصبّ في فناجيل لا تمتلئ إلّا إلى نصفها.
تناولتُ فنجالي بيميني ولم أشرب.
«حنان». نطق عمّي اسمي كما اعتاد حين كنتُ صغيرة، كأنّه بابٌ يملك أن يوصده. «جئتِ إذن».
كنتُ قد جئتُ، وذلك كلّ ما في الأمر، ولا طائل من تزييف الموقف أمام مجلسٍ سيتولّى تفكيك كلّ قشرةٍ قبل أن تتجاوز سيّارتي البوّابة.
قبالتي، في المقعد الذي تعمّدوا تركه شاغراً، جلس نواف الحارثي وفي يده مسبحة يمرّ إبهامه فوق حبّاتها. لم ينظر إليّ، ولم يشح بوجهه عنّي أيضاً. كان يرتدي ثوبه الأبيض وكأنّ المجلس لم يحتشد برجاله ليقرّروا أمره، وقد ثنى كُمّيه ثنيةً واثنتين، تماماً كما اعتاد أن يفعل كلّما توخّى الحذر ورصانة الحال.
إذن فقد صدق الأمر؛ كان هنا. لقد ابتلع هذا البيت خمس سنواتٍ برُمّتها وأعاده ليجلس على السجّاد نفسه، على بعد ثلاث خطواتٍ من عباءتي.
وضع عمّي فنجانه دون أن يُحدث صوتاً. قال لي، لا لنواف: «ما نقطع في الأمر دونها؛ هي كانت هناك، وهي اللي رجعت عشان تعلمنا».
التفت المجلس كلّه؛ لا نحوه، بل نحوي أنا.
نظرتُ إلى المسبحة بدلاً من وجهه، فتوقّف إبهام نواف فوق الحبّة.
خمس سنوات، وقد أُعيد ترتيب المجلس ليُفصح عن مغزاه.
كانت المسندة في صدر السجّاد لا تزال لعمّي. أمّا الصفّ الذي يليه فقد اتّسع: رجلان من الشركة لا أعرف وجهيهما، وابن عمٍّ يحمل ملفّاً لم يفتحه بعد، وعند الطرف الأقصى حيث ينحسر ضوء الفناء، جلس ثلاثةٌ من آل الحارثي معاً، بتلك الجلسة التي يجلسها قومٌ جاؤوا ليشهدوا ميزان دمهم وهو يُوزَن.
لم يترك لي أحدٌ المقعد الذي بجوار عمّي؛ بل جُعل لي المقابل للأبواب، كي يضطرّ المجلس بأسره إلى الالتفات ليراني، فلا يستطيع أحدٌ منهم بعد ذلك أن يدّعي أنّه لم يفعل.
عبرتُ السجّاد بعباءتي السوداء التي أسافر بها، البسيطة الخالية من أيّ نقش، وذيلها يحمل غبار طريق الشمال السريع. كانت رياح الشمال تعصف بنا منذ المفترق، فجاءت السيّارة متهاديةً خلفها، متأنّية، والأسوار تتراءى من خلال العجاج البنيّ بوّابةً إثر أخرى. وعند العتبة خلعتُ حذائي. كان السائق قد وقف عند الباب المفتوح إلى أن تجاوزتُ السور، وبعدها قطعتُ ما تبقّى وحدي. هكذا دأب هذا البيت؛ يدعك تدنو، ثمّ يُلزمك بأن تمشي الخطوات الأخيرة بمفردك.
كان العود يشتعل منذ ما قبل وصولي؛ أدركتُ ذلك من حلاوة شذاه التي انعطفت لتستحيل إلى شيءٍ أكثر ثقلاً وعمقاً. وتحتها عبق الهيل، وتحت الهيل رائحة المطر؛ المطر الذي انتظرناه طوال الخريف وأتانا في غير أوانه، وهو ينقر الآن في ميزابٍ ما كان ينبغي له أن يبلغه.
أبقيتُ الفنجال في يدي كما هو، بنصفه الممتلئ، وتركته يبرد ملامساً راحتي.
ساد الصمت برهةً لم يتكلّم فيها أحد، وذلك بحدّ ذاته نوعٌ من الحديث. كان الصفّ البعيد لآل الحارثي قد خفضوا أصواتهم لحظة جلس نواف بينهم؛ لم يصمتوا تماماً، بل توارى الصوت تحت وطأة الغرفة، وما وضع أحدٌ منهم فنجانه منذ تلك اللحظة.
ثمّ فتح ابن العم الذي يحمل الملف ملفّه.
قال: «خمس سنين، والصفحة لا تزال مقطوعة».
قال عمّي: «اقرأ التاريخ».
فقرأه. ولن أكتبه هنا؛ فقد أمضيتُ خمس سنواتٍ وأنا أتحاشى النطق بذلك التاريخ جهراً، ولن يُجبرني رجلٌ يحمل ملفّاً وذاكرةً حادّة على البوح به أمام أربعين شاهداً.
قال ابن العم موجّهاً حديثه لي: «كنتِ في الغرفة تلك الليلة، قبل ما تطلع الورقة للمكتب».
«كنتُ في الغرفة».
«أجل علّمي المجلس وش كان فيها».
قلتُ: «ما قرأتها».
انتظر، وتركته ينتظر. خلفه، تنحنح رجلٌ لا أعرف وجهه وقال لجليسه، بنبرة الرجال حين يتعمّدون إسماع غيرهم، إنّها كانت على عَجَلٍ تلك الليلة، والجميع يذكرون تلك العجلة، وإنّ خمس سنواتٍ في مدينةٍ أخرى قلّما تشتري للمرء شيئاً.
ثبّت نواف إبهامه على آخر حبّة دون أن يُديرها.
قال: «انطق اسمها».
فلم ينبس الرجل ببنت شفة.
قال نواف: «انطقه، أو اقعد في مجلسٍ ثانٍ».
قالها بهدوء، بصوتٍ خفيضٍ كهمس العود المحترق، فأزاح جارُ الرجل ركبته عن المسندة الفاصلة بينهما. لم ينظر أحدٌ إلى نواف، وتلك هي الهيبة بعينها؛ لا لأنّهم يخشون الرجل، بل لأنّ المجلس كان قد حسم أمره، دون كلمة، بأنّ مثل هذا الحديث لا يُخاض بحضرته.
ترك عمّي الأمر ليهدأ، دون أن يتحرّك قيد أنملة.
قال عمّي: «ما اجتمعنا هنا لنتسامر، بل لننهي الأمر. الورقة كان عليها اسمه على الغلاف، والكلّ في هذا البيت يعرف ذلك. هي كانت في الغرفة قبل أن تصعد الورقة، وهي الوحيدة ممّن حضروا ولم تتكلّم بعد، وهي التي اختارت أن ترجع. إذن». أدار فنجانه ربع دورة على الصينية، فتراجع الصبيّ القائم على الدلّة بعيداً عن المرمى. «وش العمل معه؟»
نظرتُ إلى السجّاد الممتدّ بيننا، وفكّرتُ في كمٍّ من تفاصيل حياتي قد حُسمت فوق نقوشه تلك.
قلتُ: «حبستَ هذا المجلس خمس سنين من أجل جملةٍ واحدة يا عمّي، وكان بإمكانك أن تكتب لي».
«كتبنا لمكتبكِ».
«كتبتم لمكتبي. وهناك فرقٌ بين رسالةٍ وبابٍ يُترك مفتوحاً».
تبادل رجلا الشركة نظرةً ذات مغزى. أمّا عمّي فلم يطرف له فكّ ولم يتغيّر، وعرفتُ من ثباته ذاك أنّ الكلمة قد أصابت موضعها.
«لن أدفن اسم رجل في التراب»، قلتُ، «استناداً إلى ملفٍّ لم أقرأه.»
«الورقة ليست في هذا المجلس.»
«وأين هي إذاً؟»
«حيث استقرّت منذ تلك الليلة.» انبسطت كفّ عمّي فوق ركبته. «الجناح أُغلق تماماً، وغرفة السجلات في داخله.»
«افتح الجناح إذاً.»
«ليس بيدي أن أفتحه.»
جلستُ من قبل في غرفٍ يُسلَّم إليك فيها الحكم بكلتا اليدين وبمحيا طلق، وتعلّمتُ أن أنظر إلى الأيدي لا إلى الوجوه. لم يكن في ذلك المجلس من ينوي النطق بالكلمة التالية. لقد جاء آل الحارثي لسماع حكمٍ، فقوبلوا بقفلٍ بدلاً منه، وعاد ملفّ ابن العم فانطبق ثانية، وفي مكانٍ ما وراء أبواب الحوش كان المطر قد كفّ، ما يعني أن الهواء سيبرد قبل الصباح، وأن البيت سيحبس ريحه في جدرانه.
ثم طقّت المسبحة طقّةً واحدة على حافة الصينية النحاسية وهو يضعها.
«اسألني أنا»، قال نواف.
هززتُ فنجاني فوق الصينية مرّتين، فتوقّفت الدلّة.
لم ينظر إليّ مرّةً واحدة منذ دخلت. لكنه نظر إليّ الآن.