Chapter 2 · ثلاثة شروط منطوقة
عاد المقهوي حاملاً الدلّة على انخفاض، وأفسح له المجلس دون أن يبدو على أحد حراك.
الصدر أولاً. تناول كبيرهم فنجانه بيمينه قبل أن تستقر الصينية تماماً، ووُضِع التمر عند حافة النحاس، وعندئذ فقط بدأت صبّة القهوة دورتها. كانت تُصَبّ من علٍ، خيطاً رفيعاً، ولم يزد ملء الفنجان عن نصفه قط. سبقتني رائحة الهيل قبل أن تصلني الصينية، عابرة فوق برودة الحجر التي كانت تسربها أبواب الفناء بلا انقطاع.
انتقلت الصينية إلى ابن العم، ثم إلى رجلي آل الحارثي اللذين دخلا خلفه، ثم توقفت. التفت المقهوي نحو الصدر. تحرك إصبعان من كُمّ كبيرهم، فجاء الفنجان إليّ قبل أن يُعرَض على الرجل الثالث.
تناولته بيميني: «يعطيك العافية».
أمال رأسه إيماءة طفيفة ومضى. استقر طرف عبايتي الداكنة ساكناً على الأرض؛ وكان حذائي عند العتبة مع أحذية الجميع. كان السجاد من ذلك النسيج النجدي الثقيل الذي يحبس برد الشتاء، وكنت قد جلست في هذا المجلس وقتاً كافياً حتى كفّ العود عن كونه مجرد رائحة وصار هو حرارة المكان ذاتها.
وضع كبيرهم فنجانه على الحافة النحاسية للصينية دون أن يشرب.
قال: «هي ثلاثة شروط، وبعدها نفرغ من الشروط».
لم يتحرك أحد. استقرت المسبحة في كفه، ولبث إبهامه ساكناً فوق حبة واحدة.
«أنتِ تسألين، ورجال هذا البيت يجيبون. ولا ينوب أحدٌ منهم عن غيره». ألقى نظرة على ابن العم، ثم على الاثنين خلفه، ثم على نواف الذي لم يلتفت ببصره إلى أي موضع سواي. «الملف يظل مربوطاً حتى تسمعي كل ما يُقال في هذه الغرفة. بعدها يُفتح مرة واحدة، ثم يُقضى الأمر. وحين تسمعينه، تقولين ما عندكِ، ويلتزم هذا البيت به—أياً كان، وكائناً من كان من سيدفع الثمن».
قال نواف: «إن شاء الله». بنبرة جافة، كجملة أُسدِل خلفها مزلاج من حديد.
أدار ابن العم فنجانه ربع دورة فوق ركبته، كما يدير الرجل النحاس وهو يزن المدى الذي يسعه أن يعترض فيه بسلامة: «يا أستاذ، حكم الضيف ليس حكماً، بل مجاملة».
«إذن هي مجاملة ذات أنياب». مالت يد كبيرهم نحوي: «اسألي».
وضعت فنجاني دون أن أهزه، مما يعني أنني لم أنتهِ بعد؛ صمتٌ أدرك كل من في تلك الغرفة كيف يقرأه.
قلت: «قبل خمس سنوات، قُرئت ورقة في هذا المجلس. كان سطرٌ منها قد طُمِس بالحبر. وقبل أن تُقرأ عليّ، كان ثمة من قرأها كاملة».
قال نواف: «نعم».
«أنت».
«نعم».
«وكان اسمك ممهوراً في أسفلها، تحت السطر المشطوب، شاهداً».
«كان كذلك».
«إذن كنت تعرف ما سيلحقه باسمي قبل أن أسمعه».
«كنت أعرف ما سيلحقه». ظل صوته هادئاً مستوياً، لا يحتاج إلى جهد ليبلغ مسامعي عبر السجاد: «لكنني لم أكن أعلم أنكِ سترحلين».
«لا». أدرت الفنجان الصغير مرة واحدة بتؤدة، حتى ترك الأثر المبتل ظله على النحاس: «لا أحد يحسب حساب ذلك مسبقاً. وتلك هي المشقة الكبرى في هذا التدبير».
أطلق ابن العم زفرة قصيرة بين أسنانه—جافة وفي غير موضعها—قبل أن يتذكر أين يجلس ويمرر مفاصل أصابعه فوق فمه.
قال كبيرهم: «اسألي الذي يليه». لم يكن قصده استعجالي، بل كان يزن ما إن كان السؤال الأول قد نال من ثباتي.
قلت: «ثمة صفحة ثانية، تلك التي حُجبت عن القراءة. يد من عليها؟»
تصلّب جو المجلس، دون أن يصدر صوت. عدّل رجلا آل الحارثي جلستهما في اللحظة ذاتها، وتسمّرت يد المقهوي في منتصف حركتها فوق المنقل، وارتفع إبهام كبيرهم أخيراً عن حبة المسبحة.
أجاب كبيرهم: «ذلك الاسم ليس في هذا المجلس».
قلت: «نعم، بل هو في الخارج، في الممر».
لم يجبه أحد على ذلك. ومن وراء الفناء، كان الماء ينحدر من مزاريب السطح قطراتٍ رفيعة متصلة، وتسللت لسعة البرد عميقاً في الصوف تحت قدمي. بقيت كلماتي عالقة بين المراكي، رهينة صمت محكم لرجال اتفقوا سلفاً على ما لا يُنطَق به علناً.
قال كبيرهم بعد صمت: «هو يقف هناك باختياره، ولن يدخل هذه المساءلة الليلة».
«إذن فالشرط الثاني ليس مساءلة». رفعت الفنجان مجدداً وجعلته في محاذاة عينيه: «بل هو سياج، وضعتموني داخله وسمّيتموه تشريفاً».
بدأ ابن العم وهو يستوي نصف قائم: «يا سيدتي—»
قلت لهما معاً: «سُلّمتُ الورقة، لكني لم أُسلَّم الصفحة قط. وتلك الورقة والصفحة تنتميان إلى بيتين مختلفين، وقد أمضيتُ خمس سنوات وأنا أتبيّن في أي البيتَين كنت أقف».
تحرك نواف عندئذ—للمرة الأولى طوال المساء. مجرد كفّ بسطها فوق ركبته بأصابع ثابتة، فقرأ كل رجل في ذلك المجلس الإشارة ولزم سكونه.
قال كبيرهم: «الشروط قائمة، وأنتِ لم تفرغي من أسئلتك بعد».
قلت: «نعم، لم أفرغ».
«إذن نبقى في مجلسنا».
نظرتُ إلى الصينية، وإلى الملف المربوط بخيطه الحريري الداكن، وإلى الفنجانين اللذين يبردان بيننا، وحسبتها بحساب امرأة عاشت بعيداً بما يكفي لتعرف ما يقتضيه كل ربع ساعة في هذا البيت.
قلت: «سأسمع البقية في الصباح».
«هذه العائلة لا تنام على مساءلة معلقة».
«إذن فاسهروا ليلتكم». رددت الفنجان إلى مستقره في الصينية. لم يتحرك المقهوي لأخذه، ولم يأمره أحد بخلاف ذلك. «لم يمضِ على دخولي هذه البوابة سوى ساعة واحدة، ولن أصدر حكماً بحق رجل لمجرد أن أُجنّب أحداً سهر ليلة... وبالأخص هو».
تفرّس الشيخ في وجهي من فوق الطاولة المنخفضة. ترك المسبحة تنزلق على النحاس المطروق، ومن تحت الحافة المنقوشة للمنضدة، وضع مفتاحاً حديدياً إلى جوارها؛ كان ثقيلاً، طويل الساق، وقد صُقلت نتوءات أسنانه عند الحواف حتى لمعت، كما يصير المعدن حين تعاوره الأيدي مراراً بحرص من لا يريد أن يُحدث صوتاً.
«لا يُفتح الجناح الخاص إلا بعد انتهاء التحقيق»، قالها. «ليس قبل ذلك. وما فُتح قبله قط.»
«إذاً يبقى مغلقاً.»
«يبقى مغلقاً حتى الصباح.» وسحب يده إلى داخل كمّ بشته. «الجناح جُهّز لك، لا للراحة.»
نظرتُ إلى المفتاح وأبقيتُ يديّ داخل كمّي ثوبي؛ فما يرفعه الضيف عن طاولة كهذه ليس إلا ديناً أقرّ به سلفاً.
من خلفي، كان الباب المزدوج المؤدي إلى الرواق موارباً بمقدار كف. ولم يرتجف خيط الضوء الممتد فوق البلاط؛ فالواقف في الجانب الآخر كان قد تعلّم منذ سنين كيف يلزم السكون التام.
«نجلس»، قالها نواف بهدوء، موجّهاً كلامه إلى المجلس وعيناه لا تفارقاني، ثم مدّ يده أخيراً نحو الفنجان الذي لم يمسّه طوال الليل.