رجوع

الدائرة الضيقة

0%

Chapter 3 · كيف يعتذر البيت

الدائرة الضيقة Chapter 3

دخل الصباح ذلك البيت دون استئذان، مثلما يدخل إليه كل شيء.

كنتُ قد نمتُ في غرفةٍ أُعِدّت لي ولم تُعَدّ لراحتي؛ أُغلقت مصاريعها، وهواؤها بارد، والبخور فيها قد استحال إلى خيطٍ رماديّ رفيع على المبخرة حين استيقظت. وكان أحدهم قد طوى عبايتي فوق الكرسيّ ووضع طرحتي فوقها مربّعةً بعناية، كأنما الليل كان شيئاً يمكن ترتيبه وإيداعه مكانه.

وفي الممر، كان القهوجي يحمل الدلّة متوجهاً إلى المجلس. الأبواب مشرعة. وعلى الطاولة المنخفضة، استقر المفتاح حيث تُرِك البارحة، غير أنه وُضع على مفرشٍ جديد، وكانت الطاولة تحته قد مُسحت وصُقلت، ثم أُعيد المفرش إلى موضعه بدقةٍ متناهية لا تلحظ تحريكه إلا امرأة نشأت في هذا البيت.

هكذا يعتذر هذا البيت؛ لا ينطق بالكلمة، بل يبدّل المفرش.

دسستُ يديّ في كُمَّيّ ودخلت.

كانت حلقة الصباح أضيق وأثقل من حلقة البارحة. جلس عمّي في صدر المجلس، وقد أدار فصّ خاتمه إلى باطن كفّه. والضيفان من فرع العائلة الشرقي، اللذان أتيا التماساً لقولٍ حاسم وظلا ينتظرانه، كانا يرمقان الأرض بين نعليهما. وابنا عمٍّ قرب الممر، لا مكانة لهما تؤهلهما للحديث، تريّثا كأنهما يهمّان بشيء. ودارت الفناجيل بالترتيب: عمّي، ثم الضيف الأكبر، فالأصغر، ثم ابنا العم، ثم طرف المجلس حيث لم يكن أحدٌ يجلس بعد.

أخذتُ موضعي الذي خُصّص لي البارحة، عن شمال عمّي، فاستكان المجلس من حولي مثلما يستكين الماء حول حجرٍ أُلقي فيه من جديد.

ثم تغيّر الضوء عند مدخل الباب.

وقف نواف الحارثي عند العتبة بثوبٍ أبيض ليس فوقه شيء؛ بلا بشت، وبلا عقالٍ يُعتدّ به، ولا خاتم ولا ساعة، ودون قلمٍ في جيب الصدر مما يحمله الرجال في المجالس حين ينوون تخليد أسمائهم في سجلاتها. البارحة أتى متأهباً لقرار، بقصب بشتٍ أسود، وقرأه المجلس رجلاً ما زال يظن أن لديه من الهيبة ما يمكنه بذله.

أما هذا الصباح فقد جاء مجرداً من ذلك كله؛ جاء في هيئة من يُراد له أن يُنظر إليه فحسب.

انقطع الحديث؛ لا ذلك الخفوت الوقور الذي يسري حين يدخل كبير القوم، كأنه وقع بابٍ يُغلق بلطف، بل كان من نوعٍ آخر. كان صمت مجلسٍ ظل يدور حول اسمٍ واحد طوال خمس سنوات، ثم رأى ذلك الاسم للتو يدلف على قدميه ويقف أمامه، ولم يقرر المجلس بعدُ أينهض له أم لا.

لم يجاوز العتبة، بل وقف عند طرف السجّاد، وأسدل يديه إلى جانبيه، شاخصاً ببصره إلى الأرض على مسافة خطوة من موضع عمّي.

قال: «يا أستاذ».

تركه عمّي واقفاً. ليس عمّي بالرجل القاسي؛ بل هو رجلٌ يعلم أن قامةً تقف عند الباب هي قامةٌ لم ينتهِ المجلس من وزنها بعد، وأن المتكأ عطيةٌ كُتب ثمنها بخطٍ دقيق في أسفلها. وترك الصمت يمتدّ حتى التفت الضيف الأصغر إلى الأكبر، وحتى أزاح أحد ابني العم ثقله من قدمٍ إلى أخرى ثم تراجع عما همّ به.

ثم رفع عمّي إصبعين.

فأحضر القهوجي متكأً، لا إلى صدر المجلس ولا قريباً منه، بل عند الطرف حيث يلتقي السجاد بالممر؛ حيث يجلس الرجال الذين جاءوا يطلبون الشروط والصلح. مضى نواف إليه وجلس، وعيون المجلس كله تتبعه، فلانَ في الجو احتقانٌ بمقدار أنملة؛ لأن الرجل الذي يأخذ مجلس الطرف دون أن يُقال له مرتين، يكون قد تنازل سلفاً عن الحجة التي جاء ينافح عنها.

عاد القهوجي بالدلّة. صبّ لعمّي أولاً، ثم للضيفين، ثم تحركت يده نحو الطرف، لكن عمّي لم ينبس ببنت شفة، فاستدار القهوجي بدلاً من ذلك وأقبل عليّ.

مددتُ يميني. اندفعت القهوة من المصب عاليةً، واستقرت في قاع الفنجال دون نصفه؛ هيلٌ ونفحة لاذعة من تحته تشي بأن البنّ قد طُحن هذا الصباح. قرّبتُ الفنجال ولم أشرب، بل أملته إمالةً خفيفة واحدة، فالتقط القهوجي الإشارة، وأمسك عن الصبّ ومضى.

قلتُ: «يعطيك العافية»، فأطرق برأسه دون كلام؛ فالشكر في هذا البيت نقدٌ زهيد لا يجوز أن يتحول إلى حديث.

وعند الطرف، قُدّم الفنجال لنواف آخر القوم. تناوله ولم يشرب هو الآخر. وظل التمر في أطراف الصحون لم يُمَسّ في أرجاء ذلك المجلس.

قال عمّي: «طُلبتَ فجئت. سيسمع المجلس ما ينبغي أن يسمعه، ثم يُقضى الأمر».

قال نواف: «جئت».

«ليس هذا بجواب».

«هو الجواب الوحيد عندي الذي لا يجعلني كاذباً قبل الظهر».

وضع الضيف الأكبر فنجاله بقوةٍ أحدثت صوتاً رنّ في الصحن، وقال: «خمس سنين! خمس سنين وبنتٌ تخرج من هذا البيت في جنح ليل، والعائلة تجترّ الصمت في كل مجلسٍ تحضره، والآن يجلس الرجل الذي كان هناك على متكأ ويقول لنا إنه لا يملك جواباً؟»

قال عمّي دون انفعال: «هي امرأةٌ راشدة». فسكت الضيف. وأدركتُ أن هذا الردّ كلّف عمّي ثمناً سأُطالَب بسداده لاحقاً بعملةٍ لم يُسمّها بعد.

لم أكن قد نظرتُ إلى نواف منذ جلس. فنظرتُ إليه الآن.

انساب ضوء الصباح باهتاً وقاسياً عبر الدائرة، كاشفاً لي عما صنعته خمس سنوات، ولم يكن بالشيء الكثير ولا بالعدم: الفك صار أشد قسوة، واللحية حُفّت بدقة على امتداده، وأثر باهت رفيع على ظهر يده اليمنى لم يكن موجوداً من قبل. كان في السادسة والثلاثين من عمره، وعرفت ذلك بالطريقة التي يعرف بها هذا البيت كل أمر: من السجلات. ولم يردّ إليّ النظر.

قلت: «سؤال واحد.»

التفت الحاضرون في المجلس، وسكن خاتم عمّي عن الحركة بين أصابعه.

قال عمّي: «اسألي.»

«جلستَ هنا ليلة وصباحاً، ولم تقل لمرة واحدة إن ما أذكره غير صحيح. لم تقل إنه لم يحدث، ولا إنني أخطأت فيه، بل إنه غير صحيح.»

أطرق نواف ناظراً إلى السجّاد.

وقال: «لن أنكره في هذا المجلس.»

«وهذا لا يعني أنه حق.»

فوافقها قائلاً: «لا، ليس كذلك.»

شهق أحد أبناء العمومة قرب الممر شهقة قصيرة حادة، فضربت كف عمّي مبسوطة على ذراع مقعده، فقطعها قبل أن تستحيل صوتاً.

لبثتُ أتأمل ذلك. خمس سنوات من ليلة حملتُها خارج هذا البيت كحجر في جيب، والرجل الجالس عند طرف المجلس يأبى أن يستردها أو يضعها جانباً، والقاعة تترقب مني أن أصيغ ذلك في حكم يمكن البناء عليه. كنت أحس بوزن تلك الكلمة في الغرفة، تتناقلها الأيدي، دافئة من كثرة الأكف التي أمسكت بها.

قلت: «جهّز لي المجلس جناحاً. قيل لي إنه لم يُفتح من قبل، وإنه مجهّز، وإنه ليس للراحة. غبتُ خمس سنوات عن هذا البيت فألفيته قد تعلّم أن يدقّق ويحتاط مع أهله أشد الاحتياط.»

لم يبتسم أحد. سرت برودة الكلام في أرجاء الدائرة واستقرت، ونظر إليّ عمّي بصبر بارد، صبر كبير قوم عزم على التجلّد أمام الناس.

قلت: «الأمر لم ينتهِ بعد. ينتهي حين أقول إنه انتهى. ويظل الجناح موصداً حتى ذلك الحين، لا يخطو إليه أحد، ولا يجلس أحد في المجلس صباحاً ليملي عليّ ما يجب على امرأة من هذه العائلة بحلول الظهر.»

سأل الضيف الأسنّ: «وحين تبتّين فيه؟»

«حينها سأقوله، في هذا المجلس، وأنا واقفة، وليس قبل ذلك.»

سكت عمّي هنيهة، ثم رفع يده وأسقطها، وتلك في هذا البيت تعني التسليم بخصومة كاملة. قال: «يبقى الجناح مغلقاً، ويبقى الباب في المسألة مفتوحاً. وسينعقد المجلس من جديد هذا المساء.»

بدأت الدائرة تنفرط. تحركت المتكآت، واستوت الثياب، وتناول المضيف الدلّة فدار بها دورة أخيرة، ورُدّ بهزّ الفناجين في كل موضع.

قمت. لم أنظر نحو الطرف الذي يجلس فيه نواف، ولم أمرّ بقربه. مضيت نحو أبواب الرواق ويداي داخل كمّي، وعيناي على أقصى الممر حيث انحسر الضوء.

«سيّدتي.»

هادئة، خافتة بحيث لم يسمعها سواي والسجّاد. وقفت، لأن الوقوف كان أهون الإساءتين من المضيّ قُدماً والتظاهر بأنني لم أسمع.

قال بنبرة متزنة من خلفي: «الباب موصد منذ خمس سنوات، ويمكنه أن يظل موصداً؛ فما من شيء ينتظركِ في ذلك الجناح سوى الغبار.»

قلت: «سأتدبر أمري مع الغبار إذن»، وخرجت، ومن خلفي شرع المضيف في إغلاق أبواب الرواق، فتضاءل خيط الضوء من بينها حتى غدا خطاً دقيقاً، ثم تلاشى إلى العدم.