Chapter 1 · مسطور في السجلّ
تفوح في المجلس الكبير رائحة العود، ورائحة القهوة التي صُبّت ثلاث مرات دون أن يذوقها أحد.
أضمّ يديّ داخل عباءتي وعيناي على صدر المجلس، حيث جلس عمي في الموضع الذي كان ينبغي أن يكون لأبي، وحيث لم يجلس فارس الخطيب أصلاً. بل ظل واقفاً؛ لا حاجة به إلى متّكأ. وتلك هيبته كلها—رجل بثوب أبيض منشّى، تتهادى المسبحة بين أصابعه بتمهل، وكل ابن عمّ في المجلس يطرق بصره إلى السجاد متفادياً النظر إليه.
ينبسط سجل الشهود مفتوحاً على الطاولة المنخفضة بيننا، وقد أُثقل طرفه بدلة فضية بردت قهوتها. أسماء خُطّت بيد كاتب حذرة. خانة لها، وخانة له، وفراغ تحتهما، عريض وأبيض، لاسم المرأة التي ستربط نفسها بهذا العهد.
يذكر عمي دَيْن «يِبه» بتلك النبرة التي يلجأ إليها الرجال حين يريدون توكيد الأمر وتكراره. لكني لا أكرره؛ بل أقول ما جئت لأقوله، وأقوله في جملة واحدة، لأنني تعلمت خلال ثلاثة أشهر أن المرأة التي تستفيض في الشرح في هذا المجلس هي امرأة خسرت أمرها سلفاً.
«فارس الخطيب.»
نطقتُ اسمه جهراً، أمام رجال شهدوا تجريدي من كل شيء إلا خاتم أمي. توقف قلم الكاتب. وأطلق أحدهم قرب الباب زفرة محبوسة.
لم ينظر فارس إلى عمي، بل نظر إليّ—مسبحته ساكنة، وإبهامه مستقر عند الحبة الثالثة—وثمة شيء خلف سكونه ليس بغضب ولا لين، فأدركتُ، بعد فوات الأوان وبدقة موجعة، أنني قُيّدتُ في حسابه للتو.
ضحك عمي، فكانت ضحكته أكثر الأصوات جفافاً في المجلس: «ثلاثة أشهر في دار أمك وهذا ما تعودين به إلينا؟ امرأة تنطق اسم رجل في صدر مجلس كأنها تنادي خادماً يسقيها ماء؟» لم يرفع صوته، بل أدار فنجانه ربع دورة على صحنه، كأن الفنجان هو من خيّب أمله: «كنتِ بارعة في الصمت يا ريم، وكان ذلك المهر الوحيد الذي قَدّره لكِ أحد.»
«ما زلتُ أملكه يا عمي، وها أنا أستخدمه الآن.»
ارتفعت عيناه نحوي، باردتين وبحركة أبطأ من ذي قبل: «إذن استخدميه لحظة أخرى، ودعي الرجال يُنهون ما بدؤوه.»
«انتهى الرجال.» قالها فارس بلا حدّة، وكان ذلك أدهى وأمرّ. جمع المسبحة في راحته اليسرى وأطبق أصابعه على خرزاتها: «لقد نُطق الاسم أمام الشهود. والاسم إن نُطق لم يعد مجرد اقتراح يا أبا خالد، بل صار حقّاً وإقراراً. اكتب يا كاتب.»
عاد قلم الكاتب إلى السجل، ورحتُ أراقب الحبر يخطّ تفاصيلي—بيت أبي، ودَيْن أبي، والابنة التي عادت من كل ذلك بلا شيء سوى خاتم وحفنة دفاتر حسابات لم يقدر أحد غيرها على قراءتها.
رفع فارس الدلة بنفسه. لم يتحرك أحد ليمنعه؛ وانسدلت يدا مدبرة المنزل إلى جانبيها كأنما أُمرت بالثبات في وجه ريح عاصفة. صبّ بتؤدة في الفنجان الصغير الموضوع أمامي، فخرجت القهوة داكنة رقيقة، يتصاعد بخارها على كل حال، لأنها لم تكن باردة قط—بل كانت تنتظر فحسب. وضع الفنجان ممسكاً بحافته بإصبعين، ثم دفعه نحوي قيد أنملة.
هذا كل ما كان، دون أن ينطق بكلمة. غير أن أحد عشر رجلاً في هذا المجلس رأوا سيد أملاك الشمال يصبّ القهوة لامرأةٍ ساوَم عمّها على صمتها قبل قليل، وأحد عشر رجلاً سيغادرون هذه الغرفة حاملين ما رأوه، وبحلول الصباح ستتناقله العاصمة كلها بالرواية.
قال فارس: «اقرأ الشروط.»
قرأ الكاتب: يُتحمّل دَيْن آل غانم كاملاً ويُغلق حسابه نهائياً. ويبقى اسم آل غانم نقياً بلا شائبة على كل ورقة كُتب عليها الآن، ثابتاً هناك باسم ثانٍ يستند إليه. ولي خاتم أمي ودفاتر أبي، والغرفة التي كنت أنام فيها صبية، ولا شيء غير ذلك مما يُعدّ ويُحصى. ولا يكون لي منصب، ولا توقيع، ولا ختم، في أي دار تحمل اسمه.
قلتُ: «انتظر.»
«لا.» لم يرفع فارس بصره عن السجل: «يمكنكِ الاحتفاظ بالمنصب الذي تشغلينه الآن. حسابات البيت التجاري لكِ إلى أن تعجزي عنها. ولن تعجزي.»
«ليس هذا ما قرأه الكاتب.»
قال: «قرأ الكاتب ما أمليتُه قبل ثلاثة أيام، وها أنا أملي من جديد.»
حطّ عمي فنجانه بحدة سُمع صوت رنينها: «أنت تعطيها مقعداً على طاولة لم تدفع ثمنها بعد.»
«لقد دفعتُ ثمنها، ولهذا أملك أن أعطيها.» أدار فارس السجل نحوي: «القلم، يا سيدتي.»
تناولته. كانت يدي ثابتة على غير ما ظننت، ووقّعت تحت المساحة البيضاء، فنشّف الكاتب الحبر، ثم خطّ فارس بيده سطراً إضافياً تحت اسمي—بخط مستوٍ، أسود، متأنٍّ—وختم السجل بختم أملاكه بينما كنتُ لا أزال ممسكة بالقلم.
جاءت مدبرة المنزل بالدلة الطازجة وملأت فنجاني، فقلت لها: «يعطيكِ العافية»، فهي الشخص الوحيد في هذا المجلس الذي أسدى إليّ معروفاً إنسانياً بسيطاً اليوم، ولا ينبغي لها أن تخمّن إن كنتُ قد انتبهتُ لذلك أم لا.
نهض عمي، ولملم بشته على نحو ما يفعل الرجال حين يريدون مغادرة مجلس وترك أثر لا يُنسى لخروجهم: «أبوكِ، حين يبلغه هذا الخبر، سيقول إن العائلة بيعت في هدوء، على يد امرأة، وفي عقر مجلسه.»
«أبي سيقول ما تأمره به يا عمي، كما يفعل منذ ثلاث سنوات.»
توقف عند الباب وقال: «كان الأجدر بكِ أن تخافي من هذا الرجل.»
قلت: «إنما أخاف مما كنتُ عليه قبله، وتلك قائمة أقصر.»
أُغلق الباب. وشرع الكبار يقفون، واحداً تلو الآخر، يطوون بشوتهم على سواعدهم، وما من أحد منهم تلتقي عينه بعيني، وقد سمع كل واحد منهم صوت السجل وهو يُختم ويُحسم في المجلس.
يرافقني فارس بنفسه إلى الممر، متقدماً نصف خطوة عن يميني، ويداه إلى جانبيه، دون أن يلمسني. وعند عتبة المجلس، قال بصوت خفيض لا يكاد يسمعه إلا الجدار: «خلاص. بكرة الرجاجيل بيقولون السالفة غلط، وما راح تصححين لهم. ولا كلمة. فاهمة وش شريت لك؟»
«اسماً معلناً.»
«اسماً معلناً»، وافقني القول، ولم تكن في نبرته أدنى رقة: «اسمي أنا.»
يعود أدراجه إلى المجلس. وقفتُ لحظة في الممر، وأصابعي لا تزال مطبقة على خاتم أمي، وطعم القهوة التي لم أذقها في فمي، وأدركتُ ما لم ينطق به: أن السجل قد خُتم، وأنه لا يد غير يده تملك أن ترفع اسمي منه مجدداً، وأنه بوسعي أن أفقد الدفاتر، والغرفة، والخاتم نفسه، وسأظل غداً في تلك الخانة، بخط كاتبٍ متأنٍّ، ما دام قد قرر أن يبقيني هناك.