رجوع

الاسم المعلن

0%

Chapter 3 · قُدِّم أمام الرجال

الاسم المعلن Chapter 3

الاجتماع في الرابعة. وبحلول الرابعة، كان المجلس الشمالي غاصّاً برجال قيل لكل واحد منهم كلام يختلف عما قيل للآخر، وجاء كل منهم ليرى أي الروايات ستُجمع عليها القاعة.

أُدخلتُ آخر القوم، وأُعطيتُ مقعد الجدار قريباً من الباب، حيث يستطيع الحاضرون النظر إليّ دون أن يلتفتوا برؤوسهم. كان فارس واقفاً بالفعل. ألقى عليّ السلام قبل أن يلقيه على أبي فهد، الذي بلغ الثمانين وكان يُبدأ بالسلام عليه في هذا المجلس منذ ما قبل ولادتي — دون عجلة، ودون تبرير، حتى كان على المجلس بأكمله أن يحسم في غمضة عين إن كان قد رأى شيئاً أصلاً.

جلستُ في مقعدي وحرصتُ على ألا تتحرك يداي. الصك ليس معي الليلة؛ إنه في درج بالجناح الخاص، وراء قفل لم أعد إليه، ولقد فكرتُ بشأنه أكثر مما سأبوح به في هذا المجلس يوماً.

سعد الخطيب يجلس في الصف الأول عن يمين المجلس. مقعده المعتاد الذي توارثه عن أبيه من قبله، ووسادته قد اتخذت شكل العائلة من فرط الجلوس عليها.

جاءت القهوة. حمل أبو سلمان الصينية بنفسه، كما اعتاد أن يفعل منذ عشرين عاماً، وتوجّه أولاً إلى صدر المجلس. تناول فارس الفنجان من يده، والتفت، ووضعه في يدي.

«يعطيك العافية يا أبا سلمان»، قلتها؛ لأنها صينيته وممشاه، ولن أرضى بأن يُهمّش في مجلسه.

راقب سعد الفنجان وهو يمرّ، ولم يعجبه المستقر الذي حطّ فيه.

«كريمٌ بفناجيل بيتٍ انتهى أمره»، قالها دون أن يوجّه كلامه لأحد، أي ليسمعه الجميع، «بنت آل غانم تُقدَّم اليوم على رجال الرياض. ما شاء الله».

أُلقيت الكلمة كأنها عملة نقدية رُميت على منضدة. راح رجلان في الصف الثاني يتأملان خاتميهما. ونظر أخي، القابع في الصفوف الخلفية وراء ثلاثة صفوف، نحو الأرض.

وضعتُ الفنجان دون أن أذوق منه رشفة، لأن الشرب سيكون بمثابة رد، وقد تعلّمتُ خلال ستة أسابيع ألا أردّ على رجال يوجّهون كلامهم للقاعة بدلاً من توجيهه إليّ مباشرة.

لم يقف فارس.

قال: «أعد الاسم».

التفت سعد برأسه وقال: «أيّ اسم؟».

«الذي تفوّهت به. أعده، وانطقه كما ينبغي، وسأخبرك بموضع الخطأ فيه».

ساد السكون في المجلس. طقّ فنجان أحدهم في صحنه ثم سكن الصوت.

ابتسم سعد، فالرجل الذي لم يسبق لأحد أن صوّب له في هذا المجلس لا يدري بعد ما الذي حلّ به. قال: «ريم آل غانم. ها هو ذا، كاملاً».

قال فارس، بنبرة هادئة لطيفة: «لا، ليس هذا الاسم كاملاً. الاسم كاملاً هو: سيدتي ريم بنت سام آل غانم، وهذا حقّها الواجب في هذا المجلس على كل رجل جالس فيه، بما في ذلك أنت، وبما في ذلك أنا».

«وبأي حق؟».

«بحق أنني أنا من يطلب ذلك». سكت هنيهة، بالقدر الكافي تماماً، ثم قال: «خلاص. لم يكن ذلك الشطر المهم مما قلته».

تناول فنجانه حينئذ بتؤدة، ونظر إلى سعد من فوقه كما ينظر رجل في دفتر حسابات باحثاً عن رقم واحد عاقد العزم على إيجاده.

«قلتَ إن بيتها قد انتهى أمره. يثير فضولي هذا الحساب؛ فأنت تجلس في الصف الأول من هذا المجلس، وتملك حصة في شركة لم تُدرّ ربحاً منذ أيام أبيك، ثم ارتأيتَ أن امرأة تملك صكاً واسماً هي التي انتهى أمرها. تلك ليست إهانة، بل رجل يخبر مجلساً كاملاً بحدود ما يتقن حسابه».

«ما قلتُ إلا ما يُقال في كل مكان».

«أعلم، وذلك تحديداً ما يجعله مفيداً». وضع فارس الفنجان جانباً. «كل رجل هنا سيعود إلى بيته الليلة ويروي روايته الخاصة عن هذه الساعة بما يناسب هواه. وأفضّل أن يرووا رواية دقيقة».

لم يرفع صوته قط، ولم يتحرك من مكانه، وكان ذلك أشد وقعاً من الصراخ، وكان كل رجل في القاعة يدرك ذلك، وقد بدأ سعد يفهم أنه يقف وحيداً في منتصف المجلس.

قال فارس، دون أن يوجّه كلامه لأحد بعينه: «ارفع الكرسي. يا أبا سلمان، الكرسي».

لم يسأل المباشر أيّ كرسي؛ وضع الصينية وتوجّه إلى الصف الأول ووقف ينتظر، ونظر إليه سعد، ثم نظر إلى فارس، وكان فارس قد شرع يحدّث أبا فهد عن سعر شيء ما، بنبرة مستوية لرجل فرغ من شأنه وانتهى منه.

وقف سعد. تطلّب الأمر منه لحظة ليهتدي إلى هيئة قيام تبدو وكأنها قراره هو. حُمل الكرسي إلى الجدار ووُضع هناك، خارج الصف، خارج هيئة العائلة، وعاد أبو سلمان إلى صينيته، ولم ينبس أحد في المجلس ببنت شفة، وكان ذلك الصمت هو بيت القصيد كله.

جلس سعد إلى الجدار، ولم تُحمل وسادته إليه.

ثم دارت القهوة من جديد، ورفع فارس يده قبل أن ينصرف المجلس إلى الحديث في العقود والأراضي.

قال: «أمرٌ واحد. ظلّ اسمي يتردد في هذا المجلس طوال أحد عشر عاماً. والليلة سيتردد اسمها، وسيُنطق كما ينبغي، وسأسمعه صحيحاً من كل واحد منكم قبل أن يكلّمني ثانية. وإن كان في تذكّر ذلك مشقة، فهناك مقاعد عند الجدار».

سرى الأمر في أرجاء المجلس كنفحة هواء بارد. تنحنح أبو فهد، البالغ من العمر ثمانين عاماً والذي اعتاد أن يُبدأ بالسلام عليه لستة عقود، وقال في وسط المجلس: «سيدتي ريم بنت سام آل غانم»، وهو يمتحن الكلمات كأنه يتفحّص قماشاً يشتريه. ثم تلاه الرجل الذي بجانبه، ثم الذي بعده. واحداً تلو الآخر، جافاً وغريباً، رددت ثلاثون حنجرة رجالية اسمي؛ لا أحد منهم يعنيه، لكنهم نطقوا به جميعاً.

جلستُ مستقيمة الظهر ويداي في حجري وتركتهم يقولون. لم أُطرق ببصري، ولم أُعنهم على النطق به. وحين جاء دور سعد، نطق به خافتاً، وهو ينظر إلى وسادة الجدار التي حُرم منها، ولم يلتفت فارس نحوه إطلاقاً، وكان ذلك أقسى وأبرد ما فعله طوال الأمسية.

حين انتهى الأمر، تحوّل الحديث إلى الأراضي، وعُدتُ مجرد امرأة عند الجدار من جديد، ولم يوجّه إليّ رجل في المجلس كلمة طوال بقية الساعة. وفارس لم ينظر نحوي هو الآخر؛ كل ما فعله أنه أعاد الفنجان عبر صدر المجلس ليُملأ ويُوضع عند يدي مرة ثانية، وفي المرة الثانية لم يُعلّق أحد على ذلك.

فهمتُ ما فعله. لم يُدافع عني، بل جعلني غالية الثمن؛ ثَمّن اسمي بصوتٍ مسموع في مجلس رجال لا يتعاملون إلا بالأسماء، حتى بات أرخص شيء في الرياض هذه الليلة هو ذلك الرجل القابع عند الجدار الذي أخطأ في نطق اسمي. ليس في الأمر ذرة عطف، ولا توجد فيه كلمة واحدة يمكنني أن أعود بها إلى بيتي لأحتضنها.

ومع ذلك، حين انفضّ الجمع ونهض الحاضرون، وجدتني أرتجف، وأدركتُ أنها لم تكن رجفة خوف.

مرّوا أمامي تباعاً صوب الأبواب. وبقيتُ في موضعي الذي وُضعتُ فيه حتى كاد المجلس يخلو تماماً، فأقبل أبو سلمان ليأخذ فنجاني وقال: «يعطيكِ العافية يا سيدتي»، فرددتُها له، وكان ذلك الحديث الصادق الوحيد الذي تبادلته طوال الأمسية.

آخر ما وقعت عليه عيناي قبل انصرافي كان الحقيبة الجلدية تحت يد فارس في صدر المجلس؛ الوثيقة الملفوفة، مغلقة لم تُفضّ، وهي الأمر الذي عُقد هذا المجلس لتوقيعه. ليس الليلة؛ لم يُخرجها. كل ما فعله أنه علّم ثلاثين رجلاً كيف ينطقون اسمي بالترتيب الصحيح، حتى إذا ما فُضّت الوثيقة وطُلِب مني الحديث، يكون الجميع قد عرفوا مسبقاً ما سيكتبون.

لم أنطق اسمه قط أمام شاهد، ولا لمرة واحدة. كنتُ حذرة، وهو تركني أتوخى الحذر، والليلة رأيتُ كم من الوقت كان يشتريه لي، وكم هو قليل ما تبقّى منه.

عند الباب، مررتُ بجانبه. لم يلمسني، ولم يرفع عينيه عن الحقيبة.

قال: «ما شربتِ قهوتك.»

قلتُ: «ما كانت للشرب.»

تحرّك طرف فمه قيد أنملة، وتركني أخرج إلى الممر وحدي.