رجوع

المراحل

0%

Chapter 2 · السجل غير المقروء

المراحل Chapter 2

يخرج الدفتر من جديد في الليلة الثانية.

عرفتُ ذلك قبل أن يضعه المباشر. جاء العمّ باكراً، ولم يجلس إلى جوار النافذة، ولم يأخذ مقعده المعتاد عن يسار الصدر حيث يسند عصاه في العادة؛ والرجل الذي يختار جلسته في وسط المجلس، في جعبته ما يريد لوسط المجلس أن يسمعه.

القهوة أولاً. تصبّ عالية من فم الدلّة فلا يبلغ الفنجان إلا إلى ما دون نصفه، ويحمله المباشر إلى صدر المجلس، ثم إلى العمّ، ثم يمضي به على طول الصف. أتناول فنجاني بيميني، وأضع تمرة واحدة عند حافته، وأنتظر؛ فكبير القوم لم يشرب بعد.

لم يشرب العمّ. ظلّ ممسكاً بالفنجان، شاخصاً إلى الدفتر، ثم فتحه بنفسه، وما كان ذلك من حقه، وتردد في أرجاء المجلس صوت فتح الغلاف.

الصفحة الأولى. قرأ الاسم بالطريقة التي يقرأ بها امرؤٌ شيئاً طالعه مرتين من قبل في خلوته.

قال: «ريم... ريم من أي بيت؟»

لم يُجب أحد. وخلفه انصرف الشبان إلى تأمل فناجينهم، وبجواري تجمّد المباشر والدلّة في يده.

قال العمّ: «رحلت. منذ ثلاثة شتاءات أو أربعة. إلى الساحل، كما يقولون، أو الشرقية. ما رآها أحدٌ في هذا المجلس منذ جنازة أبيها، ونصف الجالسين هنا لم يحضروا الجنازة أصلاً».

قلب الصفحة ليُري المجلس سطر الشهود، والخط المكتوب به.

الخط خطي. لا أحد ينظر إليه، وما نظر إليه أحدٌ قط.

وسأل: «من قبض هذا المهر المكتوب هنا؟»

اتخذ الصمت هيئة ملموسة. التفت رجلان نحو تركي؛ وتركي لم يكن يشرب هو الآخر، ولم يكن ينظر إلى الصفحة، ولا إلى عمّه، وكان المجلس بطوله وعرضه قد أدرك أن ما سيُفصل فيه الليلة لن يقضي به إلا الرجل الذي لم ينبس بحرف.

قال العمّ: «صفحة لا تقف خلفها امرأة ليست سوى مجاملة. ولستُ ضد المجاملة، لكنني ضد أن يُدار بيتٌ بالمجاملات. اشطبوا هذا القيد، وابدؤوا من الثاني».

دارت المبخرة حتى بلغت عنده، فاجتذب الدخان بيده إلى ياقة ثوبه وانتظر، ظانّاً أنه قد فرغ من أمره.

«يا أستاذ».

كان صوتي ثابتاً، مما أدهشني. التفت المجلس كله، ودارت كل الوجوه نحو الطرف البعيد، حيث أجلس بعباءتي المسدلة حتى الأرض وشيلتي المثبتة بمشبك عند الترقوة.

قلتُ: «القيد الأول لريم. هي من وقّعت عليه، وهي من دفعت المبلغ المكتوب بجواره من مال يدها لا من مال هذا البيت، ثم رحلت؛ فامرأة دفعت كل ذلك ليست ملزمة بالبقاء لترى ما اشتراه مالها».

استقر الفنجان على النحاس.

قال: «وما الذي اشتراه؟»

قلتُ: «اسماً. الاسم المكتوب في الصفحة الثانية. لا اسمها».

كان هذا حقاً. كان الشيء الصادق الوحيد الذي نطقته في هذا المجلس منذ عام، وكان صدقاً لا يكلّف شيئاً على الإطلاق؛ إذ ألقيتُ للتو بالعام الأول من حياتي في حجر امرأة ليست في المدينة، ولا يمكن لأحد أن يوجه إليها سؤالاً واحداً بشأنه.

تفرّس فيّ العمّ بالطريقة التي يتفحص بها بنداً لا يروق له.

قال: «تتحدثين عنها بلسان فصيح... عن امرأة غائبة».

قلتُ: «أنا أتحدث عن الصفحة. فالصفحة في هذا البيت، وهي ليست فيه. ولا بد أن يدقق أحدٌ في الفرق بين الأمرين».

انبعثت من أقصى المجلس ضحكة قصيرة خاطفة من أحدهم، ولم يُعدها ثانية.

هزّ تركي فنجانه مرة واحدة، فتوقف صبّ المباشر.

كان ذلك كل شيء. لم يرفع صوته، ولم يلتفت إلى عمّه، لكن الحاضرين في المجلس قرؤوا الإشارة كما تُقرأ تقلبات الطقس.

قال: «القيد الأول يبقى كما هو، على ما كُتب. لا يُشطب، ولا يُفتح حديثه في هذا المجلس مجدداً».

تحرك فكّ العمّ متوتراً: «يا تركي...»

قال تركي: «إن شاء الله».

خرجت الكلمة مقتضبة باردة؛ لم تكن رجاءً ولا دعاءً ببركة، وسمع العمّ منها تماماً ما سمعه سائر من في المجلس، فأطبق فمه، ورفع فنجانه، وشرب.

انفرجت أسارير المجلس شيئاً فشيئاً. وعادت الأحاديث والمعاملات تدور فيه: أرض الشمال، وترخيص ابن العم، وشيء عن الطريق وإنارته. أمسكتُ فنجاني ولم أشرب، وأجبتُ باقتضاب مرتين حين سُئلت، وفي المرتين كانت الإجابة عن امرأة غائبة عن المدينة.

وحين انصرفوا، مروا جميعاً بصدر المجلس، يتقدمهم العمّ هذه المرة، بينما أمسك المباشر بالباب، وتناول الرجال أحذيتهم عند حافة السجاد وانتعلوها في الممر. وقفتُ آخر الجميع، كما أقف دائماً، دون أن يلتفت أحدٌ إلى وقفتي.

عند العتبة توقف تركي، وهو أمرٌ لم يفعله من قبل، ولم يلتفت إلى الوراء.

قال بصوت خفيض موجهاً حديثه نحو الممر: «الصفحة الأولى... الخط فيها ليس خط ريم».

ثم مضى؛ ثلاث خطوات وجدار، وأُغلق الباب بيد المباشر لا بيدي.

وقفتُ في المجلس الخالي ويداي داخل كمّي عباءتي حيث لا يرى ارتعاشهما أحد، وأدركتُ أنني لم أكن حذرة بما يكفي، وأن رجلاً فطن إلى الخط في الصفحة، لن يهدأ له بال حتى يظفر بالمرأة التي خطّته.