Chapter 4 · الخيط الأخضر
يصل الدفتر إلى القصر قبلي، ولكن بفارق شارع واحد لا أكثر.
أحمل النسخة الثانية بنفسي، مربوطةً بالحبل الأخضر ذاته الذي استعمله القيّم، ولم أسلّمها للسائق ولا لحارس البوابة. لم يبدد الصباح بعدُ الظلال الممتدة على طول الجدار الشمالي. وفي الداخل، يعبق المجلس برائحة عود البارحة التي بردت في نسيج السجاد، بينما تُقلّب إحدى العاملات البخور ليتصاعد دخانه نحو الزاوية البعيدة من الغرفة بدلاً من الزاوية القريبة.
يستقبلني القيّم عند الأبواب الداخلية، محاولاً أخذ الملف من تحت ذراعي.
«يا سيدتي، أنا أضعه على الطاولة.»
قلتُ: «ضع القهوة أنت، والملف يبقى معي.»
تراجع خطوة إلى الوراء دون أن تتغير ملامح وجهه، وتلك خصلته الفذة، ثم اتجه نحو الدلّة.
المجلس ليس ممتلئاً هذا الصباح؛ رجلان من مكتب إدارة الأملاك، والقيّم، ونوافذ ممتدة تفعل ما تفعله النوافذ في الرياض دائماً في شهر نوفمبر، تُدخل ضياءً سخياً لا يَعِد بشيء. جلستُ حيث جلستُ البارحة، بعيداً عن الصدر ولا حتى قريباً منه. عباءتي سوداء ومغلقة حتى المعصمين، وشيلتي مُثبّتة بإحكام. لن يراني أحدٌ في هذه الغرفة وأنا أرتّب هيئتي، لأنني رتّبتُ كل شيء وأنا في السيارة.
يدخل تركي عند تمام الربع ساعة، فتفعل الغرفة ما تفعله دائماً: يخيم عليها الصمت دون حاجة لطلب. يتصدر رأس الطاولة. تُصبّ له القهوة من علٍ في الفنجان بما لا يجاوز نصفه، فيتناوله بيمينه ويشرب، ثم يمدّه لتُصبّ له الصبة الثانية، ولا يلتفت إليّ إلا بعدها.
«أحضرتِه؟»
«أنتَ طلبته.» وضعتُ المصنف على الطاولة وفككتُ قيده. «ست سنوات، تماماً كما طلبت. ولكن ثمة ورقة واحدة لم أشأ أن أدعها في المنتصف، لذا وضعتها في المقدمة.»
الورقة مفردة، وليست بخط يدي، بل بخط كاتب إدارة الأملاك؛ خط دقيق ومستوٍ لا يكذب، يدرج ما تضمنه عقد المرحلة الأولى: شبكة من اثنتين وعشرين قطعة، وُزنت وقُيدت؛ وصكّ بيت في شرق المدينة، مُسجل باسمها؛ وصندوق ذهب وُزن مرتين، مرة عند توقيع العقد وأخرى بعد مرور عام حين تبين نقص في وزنه فتم تصحيحه. وتحت هذه الثلاثة: المهر، في خانته الخاصة، حيث يُدرج المهر عادة.
أربعة أسطر. وبجانب كل سطر، خانة مخصصة للاسم، وكل خانة فارغة.
قلتُ: «ترك الكاتب خانة الاسم فارغة. سألته عن السبب، فأجاب بأنها قُيدت هكذا. قال إن الملف يكتفي بتسميتها "الأولى"، ولا يذكر اسمها أبداً.»
تحرك أحد موظفي المكتب في مقعده. يعود القيّم ليملأ الفنجان، والجميع في الغرفة يترقب.
تابعتُ: «لذا فأنا لا أقدم لك قائمة هدايا، بل أقدم لك امرأة تملك شبكة وبيتاً وصندوق ذهب بلا اسم، وأخبرك أنني لن أُقيد في الخانة التي تليها وكأنها مجرد مرحلة وأنا المرحلة التالية.»
يضع تركي الفنجان. لا يهزه، ولا يقول: «خلاص». والقيّم، إذ يرى ذلك، يمتنع عن الصب.
قال: «أنتِ كتبتِ هذه القائمة.»
«نعم، أنا كتبتها.»
«إذن اكتبي الاسم وانتهي من الأمر.»
«ليس من حقي كتابته، ولا من شأني أن أرثه.» وضعتُ إصبعين على حافة الورقة وأدرتها نحوه. «الشبكة تُمنح لامرأة، والبيت يُمنح لامرأة. وإن كان هذا الملف يعجز عن ذكر اسمها، فهذا يعني أن تلك الهدايا لم تكن لها يوماً، وأن الملف يكذب بشأن ست سنوات من تاريخ هذه العائلة... وأنا قضيتُ ست سنوات أفهرس كذبة وأسميها سجلاً.»
بدأ موظف المكتب الجالس عن اليسار بالحديث: «لقد شُطب الاسم بناءً على طلب العائلة...»
قاطعتُه: «إذن فلتُعِد العائلة كتابته، أو فلتشطب الهدايا معه. أما أن تحتفظ بالذهب وتُسقط المرأة، فهذا لا يجوز.»
لم يجبه أحد. انبعث البرود من تركي كما تنبعث الحرارة من حجارة الفناء ليلاً، ببطء، ودون أدنى صوت. سحب الورقة نحوه بإصبع واحدة، وقرأها بطريقته المعتادة في قراءة كل شيء: كأن تلك الصفحة مدينة له بمال.
قال: «البيت الذي في الجهة الشرقية... مع من مفتاحه؟»
أجاب القيّم: «في حوزة إدارة الأملاك يا أستاذ.»
«وصندوق الذهب؟»
«في خزينة الأملاك، على الرف الثاني.»
قال تركي: «إذن فهو ليس لها. ما تحوزه الأملاك فهو للأملاك.» ثم رفع بصره نحوي: «أنتِ تقولين إن الملف استولى على ملك امرأة وأودعه في خزينة العائلة، وأسقط الاسم ليسهل الاستيلاء؟»
«أنا أقول إن الملف فعل ذلك بخط يد دقيق ومستوٍ على مدار ست سنوات، ولم يجد أحدٌ في هذه القاعة الأمر جديراً بالالتفات حتى قرأته امرأة بصوتٍ مسموع.»
سكت بمقدار ثلاثة أنفاس. ثم قلب الورقة ودفعها نحوي، وكان ثمة قلم على الطاولة، لكنه لم يحرّكه باتجاهي.
قال مخاطباً الكاتب: «أضف خانة رابعة: الحائز. وأمام الشبكة والبيت والذهب، اكتب اسمي. لا إدارة الأملاك ولا العائلة... بل اسمي أنا. كل ما أخذه هذا الملف، سأحوزه أنا حتى يُردّ إلى اليد التي خرج منها.» سكت قليلاً، ثم أضاف: «وخانة الاسم تبقى فارغة.»
توقف قلم الكاتب وسأل: «يا أستاذ... تبقى الخانة فارغة؟»
«تبقى فارغة حتى أملأها بنفسي. هذا هو السطر الوحيد طوال ست سنوات من هذا الملف الذي لن أسمح ليد غير يدي بأن تمسه.» نهض واقفاً، فارتفعت الغرفة معه قيد أنملة، ونظر إليّ نظرة واحدة، خالية من الدفء ومن الازدراء، وقال: «احتفظي بنسختكِ. غداً تأتين بالثانية والثالثة، وسنعيد الكرّة، ومع الرابعة ستنفد منكِ كل الحجج لتكوني على حق.»
ثم تُفتح أبواب المجلس فيغلقها المباشر خلفه، وتعود الغرفة لتكون مجرد غرفة.
أطوي الورقة على ثناياها القديمة. والكاتب يخطّ في الهامش: «الحائز» و«الحائز» و«الحائز»، فيما يقبع السطر الفارغ فوق ما يكتب كبابٍ لم يُغلق بعد.
لم يردّ العقار لأحد، بل سجّله باسمه، وسأظلّ ساهراً في الثانية فجراً أقلّب هذا الأمر في رأسي—لا لأنه احتفظ بالذهب. بل لأنه قرأ الصفحة كاملةً ولم يسأل، ولو لمرة واحدة، ما كان اسمها.