Chapter 1 · على صدره
كانت الورقة ممددة بين القهوة والتمر، ووجهها إلى أعلى، ولم يمسسها أحد منذ أُدخلت الصينية. بقيتُ عاقدةً يديّ داخل كُمَّي عباءتي، وأنا أعدّ الرجال الذين تشاغلوا بالنظر إلى أي شيء آخر؛ تسعة من أحد عشر. قرأ عمي السطر الأول للمرة الثالثة، كأنما قراءة ثالثة قد تبدّل الاسم المكتوب فيها.
دارت القهوة. مالت الدلّة، فامتلأ الفنجان إلى ما دون نصفه، وتناوله ابن عمي بيمينه ولم يشرب. وانساب العود في أرجاء المجلس من المبخرة القابعة في الزاوية، رزيناً صبوراً، كما ينساب الحديث في البيوت.
ثم دخل فيصل.
لم يكن في عجلة من أمره، ولم يسلّم على أهل المجلس رجلاً رجلاً. وقف في وسط المجلس، حيث السجادة أقدم عهداً، وسكن ذلك الشق من العائلة الذي علا صوته في الظهيرة دفعة واحدة. نظرتُ إلى كُمّه ولم أنظر إلى وجهه. كان الثوب الأبيض مشدوداً ومكوياً بعناية عند الياقة، وكان زر معصمه قد استدار حتى بدا خيطه.
قال: «الأمر.»
امتدت يد عمي نحو الورقة، لكنها لم ترفعها.
قال فيصل بنبرة لم تكن عالية: «اقرأه، ثم ضعه جانباً.»
قرأ عمي. وسمعتُ اسمي في منتصف الجملة، وسمعتُ المجلس يتنفس حوله، نفساً طويلاً يتناقله الرجال من واحد إلى آخر كفنجان قهوة.
أمسك فيصل بالورقة من أحد طرفيها، وطواها على أثر الثنية التي تركها فيها أحدهم من قبل، ودسّها في جيب ثوبه عند صدره، حيث كان القماش يتحرك مع كل نفس.
قال: «هو في ذمتي، من الليلة.»
تجمّد الفنجان عند فم عمي، ولم يضعه أحد.
ولبرهة، انشغل المجلس كله بالتظاهر بأنه لم يقل شيئاً.
رفع ابن عمي فنجانه ثانية وشرب هذه المرة، ومنحت طقطقة الفنجان وهو يستقر على صحنه الإذن لكل رجل حاضر بالحركة. وفي أقصى طرف السجادة، بدأ اثنان يتحدثان عن طريق ما، بينما أخرج ثالث هاتفه، ونظر فيه، ثم أعاده إلى جيبه دون أن يقرأ شيئاً على شاشته.
لم يجلس فيصل.
في مجلس أبي، يقف الرجل في وسط السجادة لسببين: إما أنه يهمّ بالرحيل، أو أن المجلس قد حسم أمره بالفعل وكان هو من جهر به. وفيصل قد جهر به. لذا ظل واقفاً، تاركاً لوقفته تلك أن تكلّف المجلس ما تكلّفه.
«يا فيصل.» جاء صوت أبي من صدر المجلس، تحت النافذة العالية حيث يُلجئ الضوء الرجلَ إلى إغماض عينيه قليلاً إن رفع وجهه. «اجلس.»
«سأجلس.»
جلس، ولكن ليس في الصدر ولا قريباً من أبي. بل اتكأ على المسند الطويل عند الجدار الأقصى، موضع الضيف الذي ينوي البقاء طوال العصر. جلس كما يجلس رجل يشرع في عمله.
باتت الورقة الآن داخل ثوبه. وبقي على الطاولة مستطيل نظيف حيث كانت، بقعة وسط الغبار الذي تركته الصينية، ووجدتني أنظر إليها بدلاً من النظر إليه. بين القهوة والتمر؛ مستطيل نظيف بعرض صفحة مطوية.
لم يعرض عليّ أحد الجلوس. وقفتُ حيث تبدأ السجادة، حيث تُترك الأحذية ويصعد برد البلاط عبر النعال، وأبقيتُ يديّ داخل كُمَّي عباءتي.
ثم وضع عمي فنجانه وقال للمجلس لا لي: «عليها أن تنطق بها.»
ووافق المجلس بسكوته.
قال عمي: «قوليها قدام الرجاجيل. بيت أبوكِ طالته المذمة في ورقة. قولي وش سويتي، وينتهي الأمر، ونطوي هالورقة.»
كنتُ قد عددتُ أهل المجلس مرتين من قبل. تسعة رجال من أحد عشر تشاغلوا بالنظر إلى شيء آخر حين أُدخلت الصينية. أما الآن، فأحد عشر من أحد عشر ينظرون إليّ، وكان العود المنبعث من المبخرة قد بلغ حداً لم يعد معه مجرد رائحة، بل صار ثقلاً جاثماً.
قلت: «وش أقول يا عمي؟»
«أنتِ خابرة وش أقول.»
قلت: «بكلامي أنا، ولا بالكلام اللي في الورقة؟ لأن الكلام اللي في الورقة ما كتبه أحد من هالبيت. اسمي مكتوب بالطريقة اللي يكتبه بها أبوي، وما فيه كاتب في هالمدينة يكتبه بهالطريقة.»
تململ ابن عمي على وسادته. وأطبق عمي فمه.
وضع فيصل فنجانه.
فعل ذلك دون عجلة، كعادته في كل أمر، وكان لقرقعة الفنجان الخفيفة وقعٌ ألجمَ عمي تماماً أكثر مما كان سيفعله أي صوت يرتفع. لم ينطق أحد بينما استقر الفنجان. ثم قال فيصل: «الورقة معي. ولا أحد في هالبيت يعيد ما فيها، ولا أحد في هالبيت يرد عليها. مب اليوم.»
قال عمي: «هذا شأن يخص العائلة.»
«كان كذلك. أما الآن فهو شأني.»
لم يتحرك أبي من صدر المجلس، وقال: «أخذتَ ما لم يكن لك أن تأخذه، وفي مجلسي.»
قال فيصل: «أخذتُه في مجلسك، حتى لا يُؤخذ في مكان آخر.»
كان ذلك كل ما في الخلاف. لم يظفر به أحد علانية، بل تكيّف المجلس ببساطة مع ما آل إليه الأمر، كما تفعل المجالس دوماً.
بدأ الضيوف ينصرفون. شيّع أبي أكبرهم سناً بنفسه إلى الباب ووقف معه تحت الشمس برهة، وتتابع الباقون في الخروج بالترتيب الذي لا يُحرج أحداً، ودخل الساقي بالصينية ليجمع الفناجين، مستعملها وما لم يُمسّ.
مرّ بي قريباً عند عتبة الباب، فقلت له بصوت خفيض: «يعطيك العافية.»
أحنى رأسه ومضى.
كان فيصل آخرهم تقريباً. توقف حيث تُوضع الأحذية، ولم يلتفت نحوي. نطق اسمي مرة واحدة في الممر، بنبرة مستوية هادئة، كأنه اسم شخص لا عيبٌ في جملة.
«ليلى.»
قلت: «يا أستاذ.»
قال، دون أن يلتفت: «لا شيء يخرج من هالبيت. لا الورقة، ولا الأسماء اللي فيها، ولا من قراها. وإن سُئلت حرمة من حريمكم في عرس، فما كانت في المجلس اليوم.»
«لم أكن في المجلس اليوم.»
«زين.»
ثم انتعل حذاءه وخرج إلى الشمس، حيث كانت السيارة دائرةً في انتظاره، وانصفق الباب ليعود المجلس مجرد غرفة، بمستطيل نظيف فوق الغبار، ودخان العود يخبو ويتلاشى.
بقيتُ مكاني حتى تغيّر النور.
ثم مشيتُ في الممر، متجاوزةً الجناح الذي لا يقربه أحدٌ من عائلتنا إلا بدعوة، حتى بلغتُ غرفتي، وجلستُ على حافة السرير بعباءتي التي لم أنزعها بعد، وأنا أفكر في تلك الثنية.
لقد طوى الورقة على أثر ثنيةٍ كانت فيها من الأصل. لم تكن طيّةً جديدة، ولا كان هو من طواها. بل طواها شخصٌ قبله، مراتٍ ومرات، في الموضع ذاته، حتى لانت الورقة وبَهت لونها على امتداد ذلك الخط، وبدأت أطرافها تتشعّث. كانت تُحمَل في جيب؛ حُملت زمناً مع شخصٍ يقرؤها مراراً بما يكفي لتبقى ثنيتها على حالها.
وأياً كان كاتبها، فلم يوقّعها. لم يكن ثمة اسمٌ في أسفلها. لكنّ أحداً ظل يحمل اسمي في ثوبه زمناً يكفي ليترك في الورقة ثنيةً وأثراً، والليلة بات في ثوب فيصل، ولم يستأذنّي أيٌّ منهما في ذلك.