Chapter 2 · يدها وحدها
لم يطرق أحدٌ الباب. أطلّت مدبرة المنزل برأسها من وراء الباب، وقالت إن المجلس منعقد وإنهم يريدونني فيه، ثم اختفت في الممر قبل أن أتمكن من سؤالها عمّن قرر ذلك.
فعدتُ ولبستُ العباءة والطرحة، وثبّتها بمشبكين عند الكتف بدلاً من مشبكٍ واحد، ثم مضيت.
كانوا جميعاً قد خلعوا أحذيتهم عند حافة السجاد، واصطفت الأحذية في صفٍّ مرتب وأعقابها متجهةٌ إلى الجدار، وكانت المصابيح مضاءة مع أن شمس العصر في الخارج ما زالت قائمة بواجبها. جلس عمي في صدر المجلس، في المكان الذي يعتاده كلما غاب والدي، بينما توزّع الباقون على الجانبين بالطريقة التي يجلسون بها لأمرٍ جلل، لا لمجرّد زيارة.
لم يكن أحدٌ قد صبّ القهوة بعد. وقفت الدلة بجانب الصينية وغطاؤها ما يزال عليها، وكان في ذلك ما يخبرني بأكثر مما أخبرتني به طريقة جلوسهم.
رفع عمي إحدى يديه، رفعةً يسيرة. فمشيتُ إلى منتصف المجلس ووقفت هناك فوق السجاد في بيتي ويداي إلى جانبيّ، والمجلس بكامله ينظر إليّ بالطريقة التي ينظر بها الحاضرون إلى وثيقةٍ يوشك أحدهم أن يتلوها على مسامعهم.
قال عمي: «الورقة.»
وضعها أحدهم على السجاد أمامي، ووجهها إلى أعلى. الورقة ذاتها. كان الثَّنْي الذي في منتصفها قد هترت حوافه وبهت لونه، وتآكلت أطرافها، وفي أسفلها خَتْم السجل، مستدير وأزرق ومزدوج الأثر قليلاً حيث انزلق الختم المطاطي، وتحت الختم، بالحبر، اسمي بخط يدي.
خط يدي. تدوير الحروف، الميلان الطفيف نحو اليسار، وطريقتي في إغلاق الحرف الأخير لأن معلمةً قالت لي ذات يوم إن الاسم ينبغي أن يُغلق بإحكام. لم أكن أنا من كتبه. ولم أرَ هذه الورقة قط حتى ليلة البارحة.
قال عمي: «اقرئي ما في الختم.»
«أرى الختم يا عمّي.»
«إذاً، أخبري المجلس بما كُتب فيه.»
«يقول إن السجل تسلّم مطالبةً باسمي في اليوم الرابع عشر. ويقول إن المطالبة قد قُيّدت، وخُتمت، وسُددت رسومها.» رفعت بصري عن الورقة: «أيّاً كان من سدّد الرسوم، آمل أنه احتفظ بالإيصال.»
أخرج أحد أبناء عمومتي الجالسين عن الشمال صوتاً من أنفه، ثم كتمه.
قال عمي: «إنه توقيعكِ.»
«إنه توقيعٌ متقنٌ للغاية.» حرّكتُ قدمي قليلاً على السجاد حتى لا يتجه باطنها نحو أحد، وأبقيتُ نبرة صوتي على حالها، هادئةً ومستوية، كأنها فنجانٌ عزمتَ ألا تسكب منه قطرة: «من فعل هذا يتقن خط يدي أكثر مني. بل يملك بيت والدي أيضاً، وحرية التجوّل في ممراته، وجلب ختم السجل حتى عتبة بابه. إنه تدبيرٌ مريحٌ حقاً. كل ما يدهشني هو أن أحداً لم يفكّر في دعوتي لأشهد هذا الإبداع وأبدي إعجابي به في وقتٍ أبكر.»
لم يضحك أحدٌ في المجلس. ونظر اثنان من كبار السن إلى أيديهما بدلاً من ذلك، بينما مدّ الرجل الجالس بجوار الصينية يده دون أن يطلب منه أحد، وهزّ الفنجان مرتين بين أصابعه، فتوقفت الدلة.
قلتُ: «ليس هناك اسمٌ في الأسفل. من كتبها لم يوقعها. فأيّكم سيخبرني لمَ يحمل أمرٌ لا اسم لرجلٍ عليه... اسمي أنا؟»
ملأ عمي فنجانه وأمسك به دون أن يشرب. وقال بصوتٍ باردٍ كحجرٍ مبلل: «إن شاء الله... ستقولين هذا الكلام كله أمام الأهل، حين يجتمعون في هذا المجلس.»
إذاً، كان الأمر قد حُسم بالفعل. والقهوة لم تكن لي قط.
وفي الطرف البعيد، خلف آخر الجالسين، وقف فيصل مسنداً كتفه إلى إطار الباب وفنجانه في يده اليمنى، لم يقل شيئاً على الإطلاق، ولم ينظر إلى الورقة الملقاة على السجاد. كان ينظر إليّ، وظلّ واقفاً في مكانه، وأدركتُ أنه سمع كلمة «إن شاء الله» أيضاً، وفهم ما تعنيه على لسان عمي.
كان التاريخ المسجّل على الختم يسبق بأربعة أيام أي فكرةٍ خطرت لأحدهم بأن يخبرني أن اسمي قد قُيّد في سجل.