Chapter 3 · قطعة نحاس
دارت الصينية للمرة الثانية قبل أن ينطق أحدٌ في تلك الغرفة باسمي من جديد.
بقيتُ واقفةً عند الحد الفاصل بين السجاد والرخام، تحت القوس، ممسكةً بطرف شيلتي بإصبعين لأشدّها إلى الأمام. فاستدعاء المرأة إلى المجلس لا يُسقط عنها حشمتها، ولم أكن لأمنح عمّي تلك المتعة الصغيرة برؤيتي أعبث بها متوترة. كان البخور قد انطفأ على آخر جمرة فيه، ولم يفكر أحد في فتح نافذة؛ رائحة عود، وتحت العود شيء يشبه الحجر المبتل.
أعاد عمّي فنجانه إلى الصينية دون أن يرتشف منه رشفة واحدة. وكان ذلك أصدق ما قيل في المجلس طوال الصباح.
قال: «قبل أن يصل الضيوف الليلة، تنزلين بأجهزة رموز البنك وختمكِ. كلاهما. إليّ، وتسلّمينهما في يدي».
قالها بالنبرة ذاتها التي اعتاد أن يخاطب بها حين يريد للآخرين أن يسمعوا.
قلتُ: «الأجهزة باسمي».
«كل ما تحت هذا السقف باسم العائلة». وأدار الفنجان ربع دورة على الصينية، ثم تابع: «والختم قطعة نحاس، ولا يصير ملككِ لأنكِ تضعينه في درج».
قلتُ: «لا، بل صار ملكي يوم نُقش».
بمحاذاة الجدار، سعل أحد كبار السن في كفّه، وانشغل متأملاً نقوش السجاد كأنه وجد فيها شيئاً يثير الاهتمام.
ابتسم عمّي، وكانت ابتسامته أشد وقعاً من بروده: «تسلّمينها لي في الممر. قبل أن تصل السيارات. بهدوء، ودون شوشرة».
وها هو الأمر برمته ينكشف على حقيقته؛ لم تكن المسألة قطعة النحاس، بل الممر. فالأمر إن أُخذ في ممر، خلت الواقعة من الشهود ولم يعد يحمل اسماً بعدها؛ وما إن يجلس الضيوف حتى يغدو الأمر حكاية يرويها عمّي، وأكون أنا مجرد فتاة في الحكاية، ويصبح الختم شيئاً كان له منذ البداية.
قلتُ: «لا».
خيّم الصمت على الغرفة بتلك الطريقة الخاصة التي يسكت بها المكان حين تنطق امرأة بكلمة قصيرة مرتين.
قال عمّي: «انتبهي لنفسكِ».
«سأسلّمها في الساعة 8»، وجعلتُ نبرتي مستوية كسطح طاولة: «في هذا المجلس. وأفراد العائلة جالسون. والورقة موضوعة على السجاد كما هي الآن، ليرى الجميع الختم والورقة في الساعة نفسها، ويعلم كل من في هذا البيت ما الذي خُتم، وبماذا خُتم». أطلقتُ زفرة وتابعت: «هذه ليست شوشرة يا عمّي، هذا إشعار استلام».
تحرك شيء في أقصى الغرفة.
كان فيصل متكئاً بكتفه على إطار الباب طوال الصباح، والفنجان في يمينه، ولم يجلس قط؛ وكان ذلك في هذا المجلس بمثابة موقف صريح يُغني عن كل كلام.
سأل: «اسم من المنقوش على الأجهزة؟». لم يكن يوجّه سؤاله لي، بل للحاضرين جميعاً.
لم يجبه أحد للحظة، ثم قال عمّي: «اسمها».
«والختم؟».
«اسمها».
قال فيصل: «إذن، تذهب قطعة النحاس إلى الغرفة التي يحضر فيها اسمها، لا إلى ممر». ثم شرب، واكتفى بذلك. لم ينظر إليّ، ولم ينطق باسمي، ولم يمدّ يده لي أو يواسِني بكلمة، لكن جملته تلك كانت أثمن من أي يد تُمدّ.
تحرك فكّا عمّي مرتين قبل أن يخرج منهما صوت: «لستَ أباها».
قال فيصل: «لا، لكني أنا الرجل الذي سيُسأل عن هذه الورقة على مدى الـ 20 عاماً القادمة». ابتعد عن إطار الباب ووضع فنجانه على طرف الورقة حتى لا تتحرك، وأبقى يده هناك للحظة: «الساعة 8. والعائلة مجتمعة في المجلس. والورقة في موضعها هذا».
قال عمّي: «واثقٌ أنت من هذا البيت كثيراً».
«أنا واثقٌ من السجل العقاري». استعاد فيصل فنجانه وتابع: «البيت لك».
كانت تلك أبرد عبارة قيلت طوال الصباح، وقيلت بأهدأ صوت في المجلس، فأدرك كل رجل حاضر أن البيت قد سُلّم للتو، أما الاسم فلا.
قال فيصل: «خلاص»، فبدأ المجلس يفرغ؛ لأن المجلس ينتهي حين يقول إنه انتهى، وليس قبل ذلك.
وقف عمّي بجانبي وهو في طريقه للخروج؛ قريباً لدرجة جعلتني أشم دهن عوده، الذي كان أرخص من العود المبخّر في الغرفة، كما كان شأنه دائماً.
قال: «الساعة 8. ومفاتيح الخزنة معهما».
قلتُ: «قل ذلك في الساعة 8 إذن، أمام العائلة، ليكون كل شيء محسوباً».
خرج دون أن يجيب، وحسبتُ ذلك في ميزاني أنا أيضاً.
في الطابق العلوي، كانت رائحة الدرج تفوح بالعود نفسه الذي عبق به المجلس. وكان الختم حيث تركته، ملفوفاً في قطعة القماش المربعة، وأجهزة الرموز البنكية في علبتها الفولاذية الصغيرة، وبجانبها يرقد جواز سفري، وهو الشيء الوحيد الآخر في هذا البيت الذي حُفر عليه اسمي لا اسم العائلة.
فتحتُ قطعة القماش ونظرتُ إلى قطعة النحاس؛ اسمي منقوشاً بالمعكوس، ليظهر معتدلاً على الورق.
كان أمامي حتى الساعة 8، وممرٌّ رفضتُ التنازل فيه، وجملةٌ واحدة قالها رجلٌ لم يلتفت إليّ قط وهو ينطق بها. كان ذلك كل ما ورثته هذا الصباح.
أعدتُ الختم إلى الدرج، وتركتُ قطعة القماش مفتوحة.