رجوع

الأمر غير المكتمل

0%

Chapter 4 · الأكبر أولاً

الأمر غير المكتمل Chapter 4

كانت الثامنة هي الموعد الذي حددته، وبحلول الثامنة كان المجلس قد استولى على الوقت وجعله طوع أمره.

نزلت وعباءتي مشدودة بمشبك عند النحر والطرحة تغطي شعري، ووقفت عند عتبة الباب فوق البلاط، حيث انحسر ضوء الفناء أيضاً. ثلاثة جدران من الرجال وجدار أخير من الستائر المغلقة. كانت الورقة ملقاة على الطاولة المنخفضة بين التمر والفناجيل الفارغة، مطوية ثلاث طيات، ولم يفطن أحد إلى دسّها تحت وسادة كي لا تقع عليها عين ضيف.

جلس كبير العائلة في الصدر مسنداً ظهره إلى الجدار الوجيه، متناغماً مع مقعده وفنجانه، كما تناغما في هذا المجلس منذ ما قبل ولادتي.

ثم كان الباب، وخلع الحذاء.

خلعهما عند حافة السجاد، ووضعهما كعباً إلى كعب، ودلف بجوربيه دون أن يدع باطن قدمه يشير إلى أي رجل في المجلس، ولا حتى لمرة واحدة طوال مسيره إلى الداخل. ثوب أبيض ناصع لا أثر فيه لزينة. بلا بشت، وبلا خاتم، والغترة مطوية ببساطة ومستوية تماماً. رجل أتى للعمل لا ليلقى التكريم، وذلك في هذا المجلس يُعدّ في ذاته ضرباً من الإهانة.

سلّم عليهم. بدأ من الصدر ثم اتجه يمنة، منتظراً رد كل واحد منهم قبل أن يحيي الذي يليه.

قال كبير العائلة: «ابدأ بضيفنا».

التفت حامل الدلة، فرفع فيصل يده بمحاذاة صدره وبسط كفه: «الكبير أولاً».

«أنت ضيف هذا البيت».

قال: «دعني إذن أكن ضيفاً فيه، لا رباً له. صبّ للكبير أولاً، وسأشرب بعده».

لم ينطق أحد ريثما مالت ثعبة الدلة. تناول الكبير الفنجان بيمينه؛ طعم الهيل ومرارته اللاحقة، والتمرة المستقرة عند حافة الفنجان التي لم يمسّها، وتنفست الغرفة ثقلها رويداً رويداً. راقبتُ المقعد والفنجان وهما يصلان إلى تفاهم لم تكن العائلة قد دبرت له. الصدر اتسع لرجل، لكن المجلس بأسره كان لرجل آخر.

طيف بالمبخرة بعد ذلك، فضممتُ الدخان إلى نحري بيدي على النحو المعهود. عود. لكنه لم يفلح في تبديد شعور بأن هذا الصباح أشبه بجلسة محاكمة.

قال الكبير: «هناك ورقة على الطاولة».

ساد الصمت في المجلس، ذلك الصمت الذي يطبق على المكان حين يُنطق جهراً بالأمر الذي اجتمع كل رجل فيه من أجله.

«رأيتها حين دخلت».

«عليها ختمها».

سأل فيصل: «وأي يد وضعت ختمها عليها؟».

لم يُجب أحد على ذلك. دارت المبخرة مجدداً، وتصاعد الدخان، ودار الصمت معه، وحينها أدركتُ أنني أخطأت فهم هذا الصباح. كنت أحسب أن المسألة تدور حول ما تقوله الورقة، فإذا بها تدور حول من استطاع الوصول إلى ختمي.

قال أحدهم: «البيت هو من يحفظه».

قال فيصل: «بل هي من تحفظ ما يخصها»، وترك بقية كلامه ملقى هناك، في موضع لا يجسر رجل على التقاطه إلا إن رغب في أن يكون هو المطالَب به.

التفت الكبير برأسه شطر الباب فرآني، كما لو أنني وُضعت هناك رهن إشارته، وقال: «ليس هذا أمراً يُسمع من عتبة الباب. ليلى، اطلعي فوق».

لم أصعد.

وقف فيصل.

جمدت تلك الوقفة أوصال المجلس أكثر من أي أمر آخر. وقف والتفت صوب الباب، ووضع كفه منبسطة على صدره: «سيّدتي». ثم جلس مجدداً وقال: «حين تُقرأ الورقة، ستكون حاضرة في المجلس. فالورقة تحمل اسمها، لا اسمي».

تحرك فك الكبير لمرة واحدة: «أنت لست من أهل هذا البيت».

قال فيصل: «لست منهم، ولهذا أسأل بدلاً من أن أقرر».

شرب فنجاناً واحداً قبل أن يمضي؛ الصبة الثانية المعتادة، تناولها بيمينه، ثم هز الفنجان هزة واحدة فكفت الدلة. ثم وقف، وسلّم على أهل المجلس من اليمين إلى اليسار مختتماً بالصدر، وانتعل حذاءه عند حافة السجاد وظهره إلى الجدار، كي لا يضطر أحد للنظر إلى باطن قدمه.

قال الكبير: «والورقة؟».

قال فيصل: «ليست شأني بعد»، وخرج.

لم يتحرك أحد حتى صُفق الباب الخارجي المطل على الفناء. وعندئذ تناول الكبير الورقة ولم يفتحها، بل أعاد وضعها وسوّاها، كما يسوّي المرء أمراً ينوي العودة إليه.

صعدت.

توقفت عند أعلى الدرج، لأنني سمعت أحدهم في الأسفل يهمس لآخر بصوت خافت معدداً إياها سقطة عليه: كيف يخاطبها بلقب تشريف في عقر دارها، وأمام كبير القوم، دون أن يستأذنه أحد!

في غرفتي، كانت رائحة الدرج تفوح بالعود نفسه. الختم النحاسي في مكانه حيث تركته، جافاً ولامعاً، محفوراً عليه اسمي معكوساً ليظهر مستوياً على الورق، وكل نقش فيه نظيف. ختم استُعمل هذا الأسبوع لم يكن ليبدو بتلك النظافة؛ بينما كان الأثر المطبوع على الورقة المطوية في الأسفل أحدث ما في ذلك المجلس.

ظننت أن أمامي مهلة حتى الثامنة. حلت الثامنة وانقضت، ولم يكن نصيبي منها سوى عتبة باب، وكلمة قيلت مرة واحدة، وورقة تحمل اسمي لا يرضى أحد في داري أن يتلوها عليّ.