Chapter 1 · بداية الأسر المحتوم
دوت الرصاصة، وتناثرت يد أبي اليمنى على الطاولة كأنها صحنٌ هوى فتحطم.
لم يصرخ، وكان ذلك أشنع ما في الأمر. اكتفى بالنظر إلى حطام أصابعه، ثم نقل بصره إليّ، وأدركتُ في تلك اللحظة أنه بدأ يحسب في رأسه كم أساوي.
قال لوسيان كورفو: "وقّعي."

لم يرفع صوته قيد أنملة. كان واقفاً على رأس طاولة طعام أمي بمعطفه الأسود الذي لم تعلق به قطرة دم واحدة، ودفع ملفاً عبر الخشب بإصبعين، بالطريقة ذاتها التي يُدفع بها صحن طعام إلى كلبٍ لا تريده.
365 يوماً. سنة كاملة من عمري، واسمي، وفراشي. أتنازل عنها للرجل الذي وارى عائلتي الثرى.
قلتُ: "وين ميا؟" وخرج صوتي أثبت بكثير مما ينبغي له في موقف كهذا. "والله ما ألمس هالقلم لين أشوف أختي."
رفع هاتفه وأدار الشاشة نحوي، فكادت ركبتاي تخذلانني.
ميا. ابنة 19 عاماً، لا تزال بسترتها الجامعية ذات القلنسوة، وعلى فكّها لطخة فحم من حصة الرسم الهندسي. جالسة على كرسي قابل للطي في غرفة خرسانية، وخلفها اثنان من رجاله، وعند حذائها الرياضي على الأرض لفة سلاسل. سلاسل وأثقال حديدية من تلك التي تُستخدم في مراكب الصيد.
قال لوسيان: "عمق المضيق 40 قدماً عند الرصيف الشمالي. والماء بارد في هالوقت من السنة. ما راح تصمد أكثر من 90 ثانية."
"أنت وحش."
"أنا رجل أعمال." وضع القلم بجانب العقد باستقامة تامة، كجراح يصفّ أدواته. "الوحوش ما تحط شروط يا بيانكا. اجلسي."
صدرت عن أبي خلفي حشرجة رطبة. ربما كان رجاءً، مع أنه لم يترجّ أحداً لأجلي قط.
جلستُ. وأمسكتُ بالقلم.
خربش سنّ القلم. كانت يدي ترتجف بعنف جعل الحرف الأول يبدو كأنه أثر نوبة تشنج.
قال لوسيان: "عيدي. بخط نظيف. ماني بناقص محامٍ يجي يقول إنك وقّعتِ تحت الإكراه."
كدتُ أضحك. المسدس لا يزال دخانه يتصاعد على طاولة أمي، وهو قلقٌ من محامٍ!
ثم شعرتُ به. معدنٌ بارد عند قاعدة جمجمتي تماماً، تحت جديلتي مباشرة. كان أحد رجاله قد تسلل خلف كرسيّ دون أن يُصدر أدنى صوت.
قال لوسيان: "ما راح يطلب مرتين."
تنفستُ من أنفي، وعددتُ بالطريقة التي علمتني إياها أمي وأنا صغيرة؛ أعداداً أولية من أربعة أجزاء، لأن الأعداد الأولية لا تترك للهلع سبيلاً إليك. اثنان. ثلاثة. خمسة. سبعة.
كتبتُ اسمي. *بيانكا ماري دي لوكا*. آخر مرة أكتبه فيها بحياتي.
أخذ الورقة وقرأ كل سطر فيها. على مهل، كأن الليل كله ملكه، وكأنه ليس لدي مكان أذهب إليه. وخلفي، كان أبي قد انزلق على ساق الكرسي، ضامّاً يده إلى قميصه، ولم يكلّف أحد نفسه عناء طلب طبيب.
قلتُ دون أن ألتفت: "يبه."
همس قائلاً: "لا... لا تطالعيني يا صغيّرتي. سوي اللي يقوله بس."
ها هي ذي. أنفع نصيحة قالها لي في حياته، وقالها وهو ينزف على سجادة أمي.
"والحين الخاتم."
مدّ لوسيان يده داخل معطفه. كانت العلبة من المخمل الأسود، بحجم علبة كبريت. وحين فتحها، التقط الحجر ضوء الثريا ورمى بريقاً أبيض حاداً عبر السقف. ثمانية قراريط على أقل تقدير. بدا كأنه شيءٌ انتُزع من جثة.
"يدك."
"أقدر ألبس خاتمي بنفسي."
"يدك يا بيانكا."
مددتها. أردتُ أن أبقيها مفرودة وثابتة، كامرأة لا تبالي. لكنها ارتجفت رغم أنفي، ورأى ذلك ولم ينطق بحرف، وكان ذلك أشد وطأة على نفسي.
أطبقت أصابعه على أصابعي. دافئة. كانت بشرته دافئة، وكرهتُ ذلك منه؛ فقد توقعتُ ملمساً بارداً ذا حراشف. وعوضاً عن ذلك، مرّ إبهامه فوق مفاصل أصابعي بخشونة باطنه، ثم انزلق الخاتم في إصبعي وعضّ المفصل كأنه صُمم ضيقاً عن قصد.
قال بهدوء: "خلاص. الحين الكل يدري إنتِ ملك مين."
"ماني ملك لأحد."
"أنتِ ملكي لـ 364 ليلة باقية." كان لا يزال ممسكاً بيدي. "وهالليلة محسوبة أول ليلة."
هبط قلبي في جوفي. جمّدتُ ملامحي، كما تعلمتُ في هذا البيت؛ حيث لا يُعدّ الخوف فيه إلا دعوة للتمادي. "قلتَ سنة. ما طريت الليلة."
"اقري العقد."
"قريت العقد."
"أجل تدرين إني ما أكرر كلامي."
كنتُ قد قرأت الصفحة الرابعة، البند التاسع: *تقيم الزوجة في مسكن الزوج، وتكون رهن إشارته وفق ما يراه مناسباً.* قرأتها ثلاث مرات، وفي كل مرة كان عقلي ينزلق عن عبارة *رهن إشارته*، كما ينزلق ظفرٌ على زجاج.
والآن، سحبني من الكرسي بتلك اليد. لم تكن سحبته عنيفة، بل أسوأ من ذلك؛ كانت هينة خفيفة، وكأني بلا وزن، وكأنه فعلها ألف مرة لألف امرأة. انزلق كرسيّ إلى الخلف وصدم ركبة أبي، فأطلق أنة خافتة.
تأملتُ وجه لوسيان بوضوح حينها. عينان داكنتان، وندبة بيضاء دقيقة تقطع حاجبه الأيسر، وفم يبدو شبه وديع، وهو ما لا يتفق مع أي شيء آخر فيه.
قال: "ودّك تقولين كلمة ذكية؟ تفضلي، طلّعي اللي في خاطرك."
"عسى هالمضيق ياخذك."
"حاول قبلك."
تحرك شيءٌ خلف عينيه وهو يقولها، شيءٌ قديم وقبيح. لم يتسع لي الوقت لأتساءل ما هو، لأن يده الحرة انزلقت تحت فكي ورفعت وجهي إلى أعلى.
قلتُ: "لا."
"نختم العقد."
"*لا.*"
قبّلني.
لم تكن قبلة، بل كانت ختماً. فمٌ قاسٍ خالٍ من أي رقة، وإبهامه يضغط تحت ذقني حتى لا أشيح بوجهي. تذوقتُ طعم القهوة وزيت السلاح، واصطكت أسناني بأسنانه. أبقيتُ عينيّ مفتوحتين عمداً، أحدّق في عينيه بتحدٍّ، لأني لو أغمضتهما لكان ذلك اعترافاً مني بالاستسلام.
كان قلبي يخفق كأرنب مذعور. وكان ذلك خوفاً، لا بد وأنه خوف.
حين أفلتني، لسعتني شفتي؛ كنتُ قد عضضتها، وأحسستُ بطعم النحاس في فمي.
أطال النظر إلى شفتيّ لنبضةٍ زائدة عن حدّها. ثم مرّر إبهامه على شفته السفلى، فرأى أثر الحمرة عليها، وتصلّب فكّه كأنني أنا من فعلتُ به ذلك.
قال موجّهاً حديثه للحاضرين في الغرفة: «ما أحد يلمسها، ولا أحد يكلّمها. تركب معي بسيارتي».
«وميا؟» أمسكتُ بكمّ معطفه. لم يسبق لي أن أمسكتُ بأي شيء يخصّه قط، وبدا ملمس الصوف فاخراً وثميناً تحت قبضتي. «قلتَ إنها بتروح لحال سبيلها إذا وقّعت. أنت قلت!»
«هي في طريقها للبرج الحين. حيّة، وما جاها بلل». انحدرت عيناه نحو قبضتي، فأفلتُّه على الفور. «تلتزمين بكلمتك، ألتزم بكلمتي. هذا الصدق الوحيد اللي عندي».
أدارني من مرفقي واقتادني نحو البهو. مررنا بصورة أمي، ثم بحامل المظلات المكسور الذي كنت أنوي إصلاحه منذ الربيع. وعبر البابين الأماميين، حيث كان المطر ينهمر بميلٍ عاصف، وسيارتان سوداوان من نوع SUV تعملان عند المدخل ومساحات زجاجهما تتحركان دون توقف.
كان النصل الخزفي لا يزال مربوطاً إلى فخذي تحت الفستان، وكنت أحسّ به مع كل خطوة. 4 بوصات من البياض، ومستحيل بحق الجحيم أن أخرجه قبل أن تباغتني 6 فوهات موجهة نحوي.
ليس بعد.
طنّت سماعة الأذن الخاصة بلوسيان بصوت خشخشة.
تسمّر في مكانه كالمصعوق. واشتدت قبضته على ذراعي حتى كدتُ أسمع صرير عظامي. فحيح صوتٍ رفيع وسريع تدفق عبر السماعة الصغيرة، ولم ألتقط منه سوى نصفه:
«... الجسر... يا ريّس، تراهم على الجسر...»
أعقبه صوت إطلاق نار، لم يكن قريباً؛ بل بعيداً بما يكفي ليبدو كفرقعة الفُشار.
لم يلتفت لوسيان نحوي، بل رمق الطريق أمامه مباشرة.
قال مقتضباً وهو يدفعني بقوة نحو السيارة الأولى: «تغيّرت الخطة. اركبي. الحين».