رجوع

عروس الغنيمة للدون القاسي

0%

Chapter 3 · القفص الذهبي

عروس الغنيمة للدون القاسي Chapter 3

أربع نغمات صائبة، وبقيت اثنتان.

وقفتُ أمام لوحة الأرقام بفستان زفافي، حافية القدمين، وترتجف أصابعي بشدة جعلتني أضطر لإسناد معصمي على خشب السنديان.

كل زر يطلق رنة بنغمة مختلفة، وهذا هو الشيء الوحيد الذي تعلمته من محاسبي والدي وكان يستحق الذكر؛ إن سمعت نغمةً مرة واحدة، حفظتَها للأبد. وحين أغلق الحارس الباب عليّ قبل 40 دقيقة، كنتُ قد أحصيت 6 نغمات. حفظتُ 4 منها بدقة، وربما 5.

ضغطتُ الزر التالي.

ومضت اللوحة بضوء أحمر وأطلقت طنيناً خافتاً.

"تبّاً." مسحتُ كفي بقماش الحرير. "تحرّك.. اخلص."

ومن خلفي، كانت العاصفة تضرب الواجهة الزجاجية وكأن أحداً يريد اقتحام المكان عنوة. في الطابق الـ 40، كان المحيط الأطلسي بأكمله يلقي بنفسه على المبنى، ومع ذلك كنتُ أسمع دقات قلبي تعلو فوق كل ذلك الهدير.

فخذاي العاريتان تشعران ببرودة غريبة؛ عُري لا يستره فستان. كانت يدا لوسيان قد صعدتا على ساقيّ عند ذلك الجسر، وما زلت أحس بدقة بالمواضع التي كفّ فيها عن التلطف. نزع النصل مني، ثم رماه من فوق الحاجز وكأنه قطعة نفاية.

حاولتُ إدخال الرمز مجدداً برقم خامس مختلف.

ضوء أحمر. ثم طنين.

وفجأة اشتغلت الشاشة الجدارية فوق طاولة المشروبات، فنسيتُ أن لوحة الأرقام موجودة من الأساس.

ميا.

كانت أختي جالسة على طرف سرير ضيق في غرفة رمادية بلا نوافذ، وكمّا سترتها مسحوبان يغطيان كفيها. ركبتاها تهتزان بتلك الطريقة التي تلازمها دوماً حين تكذب وتدّعي أنها بخير. وبجانب الباب وقف رجل بسترة سوداء، عُلّقت بندقية على صدره، لا يحوّل نظره عنها أبداً.

عمرها 19 سنة، ولم يمضِ على سنتها الجامعية الأولى سوى 3 أسابيع. الثلاثاء الماضي تحديداً، أرسلت لي صورة لمكتبها في مرسم كلية العمارة.

"ميا." اندفعت نحو الشاشة وألصقت كفّي بالزجاج: "ميا، ناظري فيني. ارفعي راسك."

لم تكن تسمعني، وبالطبع لن تفعل. واصلت نبش ظفر إبهامها، ثم نبس أحد الحراس بشيء، فانتفضت هلعاً.

كان شريط البث يحمل ختماً زمنياً في الزاوية؛ بث مباشر.. والعد يتصاعد ثانية بثانية.

قال لوسيان: "تعشت. مكرونة. بكت شوي، وسألت إذا مسّك سوء."

لم ألتفت، فلم أكن أثق بما قد يفضحه وجهي.

كان في مكان ما خلفي، ولم أسمع صوت الباب. ثلاثة أقفال حيوية على لوح سنديان ثقيل، ورغم ذلك يتحرك الرجل كالدخان.

أردف قائلاً: "تقدرين تشوفين كل شيء من هنا. تعمّدت ذلك، عشان ما تضيعين ساعة ثانية على ذيك اللوحة."

"قلت لي إنها بتكون بأمان."

"وهي بأمان." سكت هنيهة ثم تابع: "لأنكِ واقفة في بيتي."

استدرتُ نحوه بسرعة.

كان قد خلع سترة التوكسيدو، وقميصه الأبيض مفتوح الياقة، يلطخ كُمّه أثر داكن لم يكن خمراً. شمّر كميه حتى المرفقين، تبرز منهما عروق سواعده المفتولة ومفاصل أصابعه الدامية، والمسدس يتدلى عند جانبه بمرونة وكأنه إصبع إضافي في يده.

نظر إلى لوحة الأرقام، ثم نقل بصره إليّ.

قال بصوت هادئ: "أربع نغمات صائبة.. مبهرة، والله."

هوى قلبي في صدري. كان يراقبني، وبالطبع كان يفعل. كاميرا في الزاوية، نقطة سوداء دقيقة شغلتني المحاولة عن رؤيتها.

"أنت نذل."

"صحيح."

"بطلع من هنا."

"لا." خطا خطوة واحدة: "ما راح تطلعين."

اندفعتُ نحوه رغم ذلك. غباء.. علمتُ أنه غباء وأنا أفعله، لكن جسدي كان سجيناً لساعتين وأختي حبيسة شاشة. هويتُ بكفي المفتوحة نحو فكه.

أمسك معصمي قبل أن أقطع نصف المسافة.

لم يمسكني بقسوة، وذلك تحديداً ما أرعبني؛ قبض عليه كما لو كان يتدارك كأساً يوشك أن ينسكب.

تمتم قائلاً: "يا مرحباً بهالشراسة."

رفعتُ ركبتي لضربه، فحرّك وركه وصد الضربة بفخذه، وتابع دفعي إلى الوراء وهو يتقدّم. لم أكن أرتدي كعبي، فانزلقت قدماي الحافيتان على الأرضية الباردة، وفجأة غدا صوت أنفاسه قريباً جداً مني.

"اتركني."

"أجبريني."

ارتطم ظهري بالرخام؛ الجدار البارز عند المدخل. حجر مضلع وبارد بما يكفي ليلسع جسدي عبر الحرير، فشهقت. قبض على معصمي الآخر وثبّت كليهما فوق رأسي بيد واحدة.

يد واحدة.. كل مقاومتي قُمعت بيد واحدة.

كانت تفوح منه رائحة زيت السلاح والمطر وشيء يحترق. ضغط بفخذه بين فخذيّ، فتكوّر الفستان تحته، وكرهتُ كيف اضطرب نبضي لتلك القوة الضاغطة.

قال: "ناظري الشاشة."

"ما أبي."

"ناظري."

نظرتُ. كانت ميا تدفن وجهها بين كفيها الآن.

تحركت شفتاه قرب أذني: "كلمة واحدة مني وينفتح ذاك الباب. كلمة ثانية، والرجل اللي ماسك البندقية يبطل ذوق. فاهمة كيف تمشي الأمور يا بيانكا؟ كل مرة تحاولين تهربين، هي اللي تدفع الثمن."

"إياك تلمسها."

"أجل لا تضطريني."

رفع مسدسه بيده الحرة، ودون أن يلتفت حتى، أطلق النار.

دوّى الصوت كالصاعقة في أرجاء الغرفة، ومعه وميض أبيض وفرقعة كأن الزجاج تشظى. صرختُ واصطدمت جمجمتي بالرخام، وتطاير الشرر كالمطر من الجدار بجانب باب المدخل.

وحين ارتد إليّ بصري، كانت اللوحة قد تلاشت تماماً، ولم يبقَ مكانها سوى فجوة سوداء وأسلاك ملتوية وخيط دخان يتلوى، بينما انطفأ الضوء الأحمر الصغير للأبد.

قال لوسيان: "الحين ما عاد فيه رمز تحزرينه."

كان الطنين يصم أذني، ويده ما تزال مطبقة على معصميّ. صدره يعلو ويهبط قبالة صدري بقوة، وعيناه حالكتان في ذلك الضوء الخافت.

كنتُ قد عضضت شفتي حين ارتطم رأسي بالحجر، فتذوقتُ طعم النحاس في فمي، وسالت قطرة دافئة على ذقني.

فتنبّه لذلك.

أفلت معصميّ، وكان عليّ أن أدفعه أو أركله أو أفعل أي شيء، لكني تجمدت مكاني. رفع إبهامه ومررها ببطء فوق شفتي السفلى، ساحباً أثر الدم معه. كانت باطن إبهامه خشنة يكسوها أثر جلبة قديمة. تأمل الحمرة على جلده وكأنها ملك له.

سألني: "توجعك؟"

"عساك للجحيم."

"عايش فيها من زمان." وزّع الدم على إبهامه، ثم أعاده إلى شفتي برفق أكبر هذه المرة: "زين.. تمسكي بهالشعور. تمسكي بغضبك، ترا بتحتاجينه."

انزلقت يده الأخرى على طول أضلاعي، بتؤدة، فوق دعامات المشد، نزولاً إلى أسفل ظهري حيث يستقر السحّاب بمحاذاة عمودي الفقري.

أحسست بطرف السحّاب يعلق بين أصابعه.

«وش قاعد تسوي؟»

لم يُجبني للتوّ؛ بل ظلّت عيناه شاخصتين في عينيّ، وذلك السلاح لا يزال دافئاً عند خاصرتي، بينما هبط السحّاب سِنةً واحدة ببطء وتكتكة خافتة.

«العقد يقول ثلاثمئة وخمس وستين ليلة، يا طيري الصغير.» انخفضت نبرة صوته وهو يضيف: «انزعي هالفستان. الحين.»