Chapter 4 · بخار وشظايا

«انزعيه يا بيانكا. الحين.»
استقرت أصابعه على سحّاب فستاني كأن ليلته بأكملها ملك يديه، وربما كانت كذلك بالفعل.
كانت شفتي لا تزال تنزف؛ طعم النحاس يمتزج بالملح المتطاير من بقايا لوحة المفاتيح المحطمة.
قلت له: «روح في ستين داهية.»
ردّ ببرود: «ساكنٍ فيها أصلاً.» ثم علّق يده في ظهر فستاني وساقني عبر الجناح كأنني حقيبة سفر. «على الحمام. ريحتك مثل سائقي الميت.»
كان محقاً؛ دماؤه تلطخ معصميّ وطرحتي، وعالقة في خصلات شعري. بتّ أريد الخلاص منها بأي ثمن، أكثر حتى من رغبتي في قتاله.
وهذا ما أشعل الغيظ في صدري.
دفع باب الرخام الأسود بكتفه، فتصاعد البخار أبيض كثيفاً. كان ماء الدش يتدفق ساخناً، بصوت يعلو كعاصفة من التصفيق. لا بد أنه أمر أحداً بتجهيزه مسبقاً، طبعاً فعل ذلك.
قال: «عشر دقايق... وعقبها شغلك معي.»
«أخذت سكيني.»
تحركت شفتاه بالكاد: «أخذت كل شيء. لا تخليني أثبت لك هالشيء مرتين.»
لم يغادر المكان؛ بل أسند جسده على إطار الباب بعدما خلع سترته وشمر عن ساعديه، يراقبني بنظرات نافذة. عروق ساعديه مشدودة ونافرة، وعلى عقلة إصبعه جرح لم تكن دماؤه دماءه هو الآخر.
كان نبضي يدق في أذنيّ كالمطرقة.
لن يأتي أحد لنجدتي. ميا محاصرة خلف شاشة مراقبة في مكان ما داخل هذا البرج، وقد رأيت وجهها في ذلك البث؛ متجمدة في مكانها كطفل نُبّه ألا يتحرك قيد أنملة أمام كلب شرس.
لذا أقدمتُ على الفعل الأحمق الوحيد الذي بقي أمامي.
مددت يدي نحو صحن الصابون الزجاجي المستقر على المغسلة، قطعة كريستال ثقيلة، وهويت بها بكل قوتي على حافة الرخام.
تحطمت بصوت دوّى كطلقة رصاص.
وانتزعتُ في قبضتي شظية بطول إصبعي. انغرست حافتها في راحة كفي ولم أبالِ؛ استدرت وانقضضت مباشرة على رقبته.
لكنه كان أسرع مني.
اصطدم ساعده بصدري فدارت بي الغرفة. ارتطم ظهري بالمرآة، وتغشى الزجاج بالضباب تحت لوحي كتفي، بارداً يلسعني عبر الحرير المبتل. كانت الشظية لا تزال في يدي، وقد رفعتها حتى بلغت حافة فكّه.
أمسك معصمي على بعد بوصة واحدة من جلده.
قال بصوت خافت قارب الهمس: «طلعت بيانكا الحقيقية.»
«فكني.»
«اجرحيني.» ضغط بإبهامه على موضع النبض في معصمي بقسوة. «يلا، كملي. من يوم الكنيسة وأنتِ ودك تسوينها.»
«بسويها.»
«أجل سويها.»
دفعتُ بيدي، فجرى الزجاج على عنقه تاركاً خطاً أحمر دقيقاً. لم يرمش له جفن، ولم يتراجع قيد أنملة؛ بل نظر إليّ وكأنني نطقت أخيراً بكلمة حق.
كانت الحرارة تنبعث من جسده كالأمواج، أشد وطأة من بخار الحمام. صدره صلب يضغط على صدري، وأشعر بكل نَفَس يتردد في رئتيه. قميصه تبلل تماماً بما امتصه من بخار، وتحته كان دافئاً، صلداً، ولا يملك من السيطرة على نفسه نصف ما يظهره.
كنا كلينا عاجزين عن التقاط أنفاسنا كما ينبغي.
قال: «ترجفين.»
«من القهر.»
«وهذا بعد.»
أزاح يده هابطاً من معصمي ودسّ أصابعه بين أصابعي، بلا أدنى رقة؛ بل بتشابك خانق. حوصرت الشظية بين راحتينا، فمزق حدّها جلد كل منا.
شهقتُ من الألم.
أما هو فلم يصدر صوتاً، بل شدّ قبضته أكثر.
سال الدم دافئاً على معصمي، وسال دمه بمحاذاته، لزجاً بين كفينا حتى عجزت عن تمييز دمي من دمه. دفع كفينا المتشابكتين وسحقهما على المرآة بجانب رأسي؛ أصدر الزجاج المغشى بالبخار صريراً، وسال عليه خط أحمر ممتد.
تمتم قائلاً: «شوفي المنظر... اثنان ينزفان من آل دي لوكا على فراش واحد.»
«ما عاد أنا من آل دي لوكا.»
«صحيح؟» مالت شفتاه نحو أذني، وأنفاسه تلفحني بحرارتها: «أجل ليش رافعة سكين في وجه رجلك؟»
«أنت مو رجلي.»
«لبّستك الخاتم بيدي.»
«لبّسته لرهينة.»
سكن جسده تماماً. ولثانية واحدة، ارتخت قبضته بالفعل؛ شعرت بها، تراجع طفيف في قبضته الحديدية.
ثم دفع ركبته بين ركبتي، فتبخر من رأسي كل ما كنت أجادل بشأنه.
التصق الحرير بفخذيّ بعدما غمره الماء عند أطرافه، بينما ثبّتت ساقه الفستان على الرخام. كان كل موضع تلامس بيننا يلتهب حرارةً وانزلاقاً، ونبضات قلبي تقرع أضلاعه كأنها تتوسل الدخول.
كرهتُ استجابة جسدي له إلى هذا الحد.
قال: «قوليها.»
«وش أقول؟»
«إنك تبيني ميت.»
«أبيك ميت.»
«أحسن.» لامس أنفه صدغي: «والحين قوليها وكأنك صادقة.»
حاولت، والله حاولت. لكن إبهامه تحرك فوق مفاصل أصابعي ببطء، يتتبع أثر الجرح، فخرجت كلماتي مكسورة مهشمة:
«أبي...»
انتظر.
همستُ: «أبي أختي.»
مرّ طيف غامض على قسمات وجهه وتوارى سريعاً؛ عجزت عن تفسيره، لكنه بالتأكيد لم يكن شفقة، فلوسيان كورفو لا يعرف الشفقة.
قال بخشونة: «أجل بطّلي محاولاتك لنزف دمي... تراكِ بس تطوّلين السالفة.»
«أطوّل إيش؟»
«الوقت اللي بتخسرين فيه.»
ضحكتُ ضحكة مخنوقة ومريرة: «تحسبني ما قعدت أخسر من كان عمري ستة عشر؟»
اشتدت قبضته على يدي، وبدأ الدم يتجلط ويصبح لزجاً. غابت المرآة وراء سحابة بيضاء من البخار حول قبضتينا المتشابكتين، تتوسطها بصمة حمراء فاقعة.
كان يفترض بي أن أخاف، وخفتُ قليلاً بالفعل؛ لكنني كنت ملتصقة به وأنفاسي تتقطع، ولم أعد أميّز أيّ الأمرين كان يخيّع ركبتي ويجعلهما ترتعدان.
أمال رأسه، واستقرت شفتاه على مقربة من شفتيّ، قريباً لدرجة أنني تبيّنت حرارة أنفاسه ورسمة ملامحه.
قال: «آخر فرصة... فكّي القزازة.»
«أجبرني إن كنت تقدر.»
أظلمت عيناه بسواد حالك.
وفجأة، أضاء الجدار المحاذي للباب.
لوحة تحكم صغيرة لم أنتبه إليها من قبل أخذت تومض بلون قرمزي متتابع، قاذفة بضوء أحمر عبر ذرات البخار. نبض الحمام بأكمله بذلك التوهج، فالتفت رأسه نحو مصدر الصوت بحركة مباغتة قبل أن يتمكن من كبح نفسه.
نقرة. شوشرة أثيرية. ثم انسلّ من مكبر الصوت صوت متمهل، دافئ، ومألوف بصورة مرعبة:
«يا حبيبتي يا بيانكا... سمّمتي كاسه ولا للحين؟»