Chapter 5 · سمٌّ على الثلج

«يا بيانكا. سممتِ كاسه ولا بعد؟»
خرج صوت سيلفيو مشوشاً من جهاز الاتصال الداخلي، دافئاً كدعاء عشاء يوم الأحد.
حبستُ أنفاسي.
كان ظهري لا يزال ملتصقاً بالمرآة المغبّشة بالبخار. كفّ لوسيان مطبقة فوق كفي، والدم ينزلق بين أصابعنا حاراً لزجاً. ظل الماء ينهمر خلفنا، فلم يفكّر أحد في إغلاقه.
لم يلتفت لوسيان إلى السمّاعة، بل صوّب عينيه نحوي.
«عيد اللي قلته»، قالها للجدار. بهمسٍ شديد، بهدوء مريب فاق الحد.
«لوسيان!» تعالت ضحكة سيلفيو واهية وسط التشويش. «مبروك يا ابن الأخ. جابت لك البنت الويسكي فوق؟ معتّق 25 سنة، هدية العرس».
أومضت اللوحة بضوء أحمر، ثم انطفأت.
جفّ ريقي: «ما أدري عن إيش يتكلم، والله ما أدري».
«طريف»، انتزع لوسيان يدي الدامية عن الزجاج وقلّبها كأنه يطالع فاتورة شراء. «لأن عمّك صوته واثق إنك تدرين زين».
«ماهو بعمّي»، خرج صوتي مشروخاً. «ما عاد لي عم. هذا ثعبان يبيع لحم أهله».
«أجل ليه يتكلم كأنك على قائمة رواتبه؟»
انزلقت يده الأخرى على عظم ترقوتي المبلل. لم يعصرها بعد، بل طوّق عنقي بأصابعه فحسب، كالذي يختبر متانة حبل قبل أن يعلّق فيه مشنوقاً.
عثر إبهامه على موضع نبضي. وعرفتُ تماماً ما الذي كان يخبره به.
«امشي»، قالها.
جرّني من معصمي خارج الحمام. تركتُ آثار أقدام حمراء على الرخام الأبيض، وفستان زفافي يقطر ماءً وحريراً خلفي كأثرٍ طويل من القرارات الخاطئة. وفي الصالة، كانت العاصفة تضرب الواجهة الزجاجية كأمواج عاتية. في الطابق 40، بدا المحيط الأطلسي بأسره كأنه يريد اقتحام المكان.
على عربة المشروبات استقرّت قارورة كريستال لم أرها من قبل، مطوّقة بعقدة شريط فضي حول عنقها. وإلى جوارها كأسان ثقيلتان، في إحداهما ثلاثة مكعبات ثلج صافية.
كانت إحدى الكأسين مسكوبة بالفعل.
قلتُ: «هذا ما كان موجود يوم دخلت هنا».
«إي»، ارتدت عينا لوسيان نحو الباب ثم عادتا إليّ. «رجالي طلّعها قبل 20 دقيقة. قال إن واحد من عيال عمك دي لوكا سلّمها عند الاستقبال مع بطاقة».
التقط البطاقة ونترها نحو صدري، فالتصقت بفستاني المبتل.
*إلى العروسين السعيدين. اشربا لنخب مستقبلكما. العم س.*
انقلبت معدتي. أعرف هذا الخط جيداً، رأيته يوقّع على بطاقة زهور جنازة أمي.
قلتُ: «قاعد يورطني».
«حجّة مرتّبة».
«والله هذي الحقيقة!»
«حجّة *مرتّبة*»، ضيّق الخناق عليّ وتراجع بي إلى الخلف حتى حفرت حافة العربة في فقرات ظهري. رنّ الزجاج البارد خلفي. «عيلتكم غدرهم بالسم. هذا ديدنكم بدل ما تواجهون مثل الرجاجيل. اسألي أخوي وش صار معه».
أطبقت يده.
ما كانت بقوة، ليس في البداية. فقط بما يكفي ليتحول نفسي إلى خيط رفيع كالسلك. غرست أظافري في معصمه، وشعرت بأوتاره كحبال الفولاذ تحت جلده.
«طالعي فيني»، قال.
نظرتُ إليه.
كانت عيناه رماديتين كلون السماء في الخارج، خاليتين من أي انفعال؛ لا غضب ولا استعراض، مجرد رجل يجري حسابات باردة بحياتي.
أمرني: «قولي إنك ما لمستِ ذاك الكاس».
«ما... لمسته».
«قولي إنك ما تدرين وش فيه».
عصر عنقي. سبحت بقع سوداء على أطراف الغرفة، واحتكت قدماي بالأرض. بدأت رئتاي تحترقان، والجزء الأحمق اليائس في داخلي أراد أن يركل ساقه، بينما الجزء الأعقل يدرك أن ذلك كفيل بهلاكي.
لذا فعلتُ الشيء الوحيد الذي بقي لي.
توقفتُ عن مقاومة يده.
استرخى جسدي وتعلّقت عيناي بعينيه بكل ما تبقى لديّ من عزم، ودَفعتُ الهواء عبر حنجرتي بهمسة خشنة كالمبرد:
«أجل صبّه وخلني أشربه».
ارتعشت أصابعه.
«إن كنت كذابة»، بححتُ بصعوبة، «بموت خلال 10 دقايق. وإن كنت صادقة، فبتعرف إن ولد عمّك كذّاب. وبكل الحالتين، بتلقى جوابك».
سكنت الغرفة تماماً؛ لا شيء سوى صوت المطر ونبضات قلبي في أذنيّ.
تحرك فكّ لوسيان بحركة واحدة خفيفة. تراخت قبضته بمقدار نصف بوصة، فجذبتُ الهواء بعنفٍ كاد يمزق صدري من الألم.
«كنتِ بتسوينها»، قال كأنه يكلّم نفسه. «كنتِ بتشربينه».
غصصتُ بكلماتي: «ميا عمرها 19 سنة. والله لأشرب مبيّض غسيل عشانها».
ومض شيء في وجهه واختفى قبل أن أتبينه. مدّ يده من حولي، والتقط الكأس ورفعها إلى مستوى عينيه. انكسر الضوء العنبري عبر الكريستال، وكان الثلج غائماً في وسطه، وعلى أحد المكعبات غشاء أبيض رقيق كالصقيع، لكنه لم يكن صقيعاً.
استنشقه.
«لوز مر»، قالها بنبرة ميتة.
تجمّد الدم في عروقي؛ ليس خوفاً على نفسي، بل من حقيقة أنني كنتُ سأبتلعه فعلاً.
«يا ربي...»
«مو ربك»، أدار الكأس يراقب تصدع الثلج. «سيلفيو. السيانيد فضّاح وصوته عالي عليه. هذا سمّ يوقف القلب ويبين كأنه أزمة قلبية عارضة في ليلة شينة. شيء تقدر عروس جديدة تدسه بكاس رجلها، وتبكي عليه بعدين بالجنازة».
وضع الكأس بهدوء شديد، كأنها قنبلة يدوية موقوتة.
ثم نترها بكل قوته.
انفجرت في الجدار، على بُعد أقدام قليلة من رأسي. تساقط الكريستال كالمطر على السجاد، وسال الويسكي على ورق الجدران بخطوط بنية طويلة، بينما تدحرجت مكعبات الثلج عبر الأرضية وفحّت فوق بقعة ماء مسكوبة.
انتفضتُ بقوة حتى طقّت أسناني.
«كنت تدري»، قلت. «كنت تدري إنه مسموم قبل ما أنطق بحرف».
«كنت شاك»، عادت يده إلى عنقي، وهذه المرة داعب إبهامه الكدمة التي طبعها لتوه؛ ببطء، برقة تكاد تشبه الحنان، وذلك كان أشد رعباً. «والحين صرت أعرف عمك وش يشوفك بالضبط».
«وش يشوفني؟»
«زوجتي»، نطقها كأنها لعنة. «قريبة بما يكفي لتذبحني».
زحفت حرارة إلى عنقي لا علاقة لها بالخوف إطلاقاً. كان جسده كتلة من القطن المبتل والعضلات الصلبة الملتصقة بفستاني الغارق بالماء. شعرتُ بنبض قلبه، رتيباً كدقات الساعة، بينما كان قلبي يخفق كطائر حبيس في فخ.
«ما سويتها»، همست.
«أدري».
رمشتُ بذهول: «أجل ليه بعدك...»
"لأنه حطّك في فراشي يا بيانكا." كان فمه قريباً لدرجة أنني كدت أتذوق طعم الملح عليه. "وهذا يعني إنه يحسبكِ بتكونين فيه الليلة. لحالك معاي. رقيقة. وغبية. ونايمة."
"عمرِي ما كنت رقيقة."
"انتبهت." تحرك طرف فمه حركة لم تكن ابتسامة. "نزفتِ على مرايتي."
هبطت يده الأخرى إلى خصري وقبضت على الحرير المبتل هناك. شعرت بركبتي ترتخيان، وكرهت نفسي على هذا الضعف.
قال بصوت خافت: "فيه كاميرا بالحمام هذاك. ورجال سيلفيو زارعين آذانهم في جدراني. يعني كل هالمسرحية اللي مسويها تنتظر شي واحد؛ أنا وأنتِ بهالغرفة، وواحد منا ما يطلع على رجليه."
"خلّه ينتظر."
"لا." انحنى، وصدم كتفه بطني، فانقلبت الغرفة بأكملها رأساً على عقب.
صرختُ. ورحت أركل بقدمي، وانهالت قبضتاي ضرباً على ظهر قميصه المبتل، لكنه لم يبطئ خطوته حتى. تلطخ القطن الأبيض بطبعة يد حمراء من أثر الدم في كفي.
"نزّلني! لوسيان! يا ابن الـ..."
"كمّلي." طوّقت ذراعه ظهر فخذي بإحكام. "وعلّي صوتك بعد."
كان باب غرفة النوم الرئيسية مصنوعاً من الفولاذ، تتوهج على امتداد إطاره ثلاثة أقفال بيومترية باللون الأخضر. لم يمد يده إلى لوحة المفاتيح، بل ركل الباب وكأنه عاف الدنيا وما فيها، فارتطم بالجدار بقوة كادت ترج أسناني.
لفح الهواء البارد وجهي. سرير أسود ضخم. ومطر يجلد زجاج النافذة بضراوة. وخلفنا، في مكان ما وراء الجدران، كان سيلفيو يتسمّع.
هدر صوت لوسيان عبر قفصه الصدري لينفذ مباشرة إلى عظامي:
"جا وقت العقد، يا مدام كورفو."