Chapter 1 · آخر يد خاسرة

«نزّل السلاح يا ليو، يدك ترجف»، هكذا قلتُ وأنا أُسند ظهري إلى الكرسي المخملي. خرج صوتي أكثر ثباتاً مما كنتُ أشعر به في داخلي.
لم يُنزل ليو سلاحه، بل ضغط فوهة مسدس الغلوك الباردة على صدغي مباشرة، حتى غاصت في جلدي، وقال بنبرة متهدجة: «اسكت يا كين، اخرس ولا كلمة! وين الفلوس؟»
كنتُ أشمّ رائحة النيكوتين الرخيص واليأس ينبعثان منه كأمواج متلاحقة. كنّا في الغرفة الخلفية لنادٍ في قبو بحيّ النيون؛ من تلك الأماكن التي تحسّ فيها بطعم الأوزون والعرق القديم عالقاً في الهواء. كان بقية المقامرين قد أخلوا المكان من حولنا، ولم يتبقّ سوى حطام ليلة من الرهانات العالية: كراسٍ مقلوبة، وكؤوس ويسكي فارغة، وكومة من الفيشات لم تعد ملكاً لي.
همستُ محاولاً ألا أجفل: «قلت لك، الصالة بلعت كل شيء... طفرت يا رجال، واثنيننا مفلسين».
صرخ ليو واختلج إصبعه على الزناد: «كذّاب! طول الليل وأنت تدسّدس تحت الطاولة. عندك شيء، هاته ولا والله لأصبغ ورق الجدار هذا بمخّك!»
رمقتُ الطاولة أمامي. كان يرقد بيننا كرتٌ وحيد بلون أسود كحجر السبج. لم يكن يشبه بقية أوراق اللعب، ولا حتى بدا مصنوعاً من الورق؛ كأنه ثقبٌ تمزّق في نسيج الكون، يبتلع النور الشاحب المنبعث من المصباح المتدلي فوقنا.
قلتُ وأنا أدفع الكرت الأسود نحوه بطرف إصبع واحد: «تبغى هذا؟ خذه... تراه لعنة يا ليو، صدقني».
سخر ليو والبريق الجشع يلمع في عينيه. أزاح السلاح قيد بوصة ومدّ يده نحو الكرت: «لعنة؟ وفّر كلامك... تبي تروّعني بس عشان ما أذبحك».
وما إن لامست أطراف أصابعه سطح الكرت حتى ماتت الغرفة فجأة.
لا أعني أنها سكنت، بل أقصد أن الصوت تلاشى تماماً؛ طنين لافتات النيون، وضربات موسيقى النادي البعيدة... كل شيء توقف دفعة واحدة. ثم توهّج الكرت الأسود.
لم يكن ضوءاً، بل فيضاً من العدم. موجة صدمة من الفراغ المطلق ضربت ليو، فقذفته إلى الخلف عبر الغرفة، ليرتطم بالجدار بصوت مكتوم مريع، بينما سقط مسدس الغلوك متدحرجاً على الأرض.
شهقتُ وأنا أقبض على صدري. شعرتُ وكأن يداً امتدت إلى ما وراء أضلاعي وعصرت قلبي بقبضة متجمدة. مزّق ألمٌ حاد ولاذع عظم القصّ، فسقطتُ على ركبتيّ، أتقيأ طعماً أشبه بالنحاس والرماد.

لهثتُ مذهولاً وأنا أحدق في يدي: «وش هذا...»
كانت عروق سوداء دقيقة قد بدأت تزحف صاعدة على معصمي، تنبض كخفقات القلب. لم تكن تحت الجلد، بل *فوقه*، كحبر نُقش في روحي نقوشاً غائرة.
كان ليو يئنّ على الأرض، عيناه مقلوبتان إلى الأعلى، وجلده يستحيل إلى رمادي شاحب شفاف يثير الغثيان. بدا وكأنه هرم 20 سنة في ثانيتين اثنتين. أما الكرت، الملقى الآن على الأرض، فبدا وكأنه يصدر همهمة بتردد منخفض اهتزت له أسناني.
همستُ في الغرفة الخاوية: «هل هذا هو الجزء اللي أموت فيه؟»
«ليس تماماً»، جاء الصوت بتمهّل وثقة من عند عتبة الباب.
التفتُّ بسرعة، وقلبي يقرع أضلاعي قرعاً. كان هناك رجل يتكئ على إطار الباب، يصفّق ببطء. بدا أنيقاً ونظيفاً أكثر مما ينبغي لحيّ النيون؛ بذلة سوداء مفصلة بإتقان، وحذاء لامع، وعينان بدتا وكأنهما شهدتا بداية الزمان ونهايته. لم يكن يبتسم، لكن في نظرته نحوي شيئاً ضارياً يتربص بفريسته.
قلتُ بحدة وأنا أحاول الوقوف متعثراً ببقايا الويسكي المسكوب: «من أنت بحق الجحيم؟»
قال وهو يخطو داخل الغرفة دون أن تُحدث خطواته أي وقع: «أنا صاحب مجموعة الأوراق... وأنت يا كين، لعبتَ للتو جولة لا تقدر على دفع ثمن خسارتها».
تراجعتُ إلى الخلف حتى اصطدم عقبا قدميّ بحافة طاولة البوكر: «ما وقّعت على أي شيء... مجرد كرت ولقيته!»
توقف الرجل على بعد خطوات مني، فثقل الهواء حوله كأن الضغط الجوي تضاعف 3 مرات، وقال: «العثور عليه هو الدعوة... واستخدامه هو العقد. لقد قايضتَ قطعة من وجودك في سبيل فوز، أليس كذلك؟»
نظرتُ إلى العروق السوداء على ذراعي: «ما قايضت بشيء، الموضوع صار كذا فجأة».
ردّ بنبرة هبطت نغمتها: «خطأ... الفراغ لا يعرف الصدف. أحسست بذلك التمزق في صدرك؟ كان ذلك رهنَ روحك. لقد أصبحت مديناً الآن يا أيها المقامر الصغير، وأنا هو المحصّل».

أطلقتُ ضحكة جافة متقطعة: «وش تبغى مني؟ ما أملك شيء... لا فلوس، ولا بيت، ولا حتى خوي يرد على اتصالاتي».
قال المحصّل: «لا أريد رصيدك المالي». مدّ يده لتستقر أصابعه على بعد بوصات قليلة من صدري، فشعرتُ ببرودة قارسة تشعّ منه، صقيعٍ ينفذ إلى أعمق من مسام الجلد. واستطرد: «أريد الفائدة... وبما أنك مفلس، فلا بد أن نكتفي بالخدمة».
«خدمة؟ وش هالكلام الفارغ؟ وش تعني بالضبط؟»
همس قائلاً: «يعني أنك ستعمل لحسابي... ستطارد الآخرين؛ أولئك الذين يحاولون الغشّ مع الفراغ، ناكثي العقود. تجلبهم لي، وقد—أقول قد—أعيد لك جزءاً مما خسرته».
حدقتُ فيه وأفكاري تتسابق في رأسي. هذا كابوس، لا بد أنها هلوسة أفرزها هذا الويسكي المصنّع الرخيص. قلتُ: «وإن قلت لك لا؟»
لم تتغير ملامح المحصّل، لكن الظلال في الغرفة هاجت فجأة؛ تسلقت الجدران كزيت حيّ، والتفت حول كاحليّ تجرّني إلى الأسفل. حاولتُ الصراخ، لكن الهواء فرّ من رئتيّ.
قال بصوت خافت: «إن قلتَ لا، فسأحصّل أصل الدين الآن... ما يعني أن قلبك سيتوقف، ورئتيك ستنهاران، وتغدو روحك قطعة دائمة في أرشيفي. وجودٌ ممل للغاية، في الحقيقة».
اقترب مني أكثر، وفاحت منه رائحة تشبه ورق المخطوطات القديم مع لمحة من غاز الأوزون. تعلقت عيناه بعينيّ، ولثانية خاطفة، لاح لي وميض من مكان يخلو من أي نور، لا شيء فيه سوى بحر لا متناهٍ من البطاقات السوداء.
قالها هامساً، وأنفاسه الباردة تلفح أذني: "هاه؟ بيننا اتفاق، وإلا بايعٍ عمرك اليوم؟"
لامس معطفه قميصي؛ بطانة حريرية وأزرار باردة. أمسك بياقة قميصي بين إصبعين دون أن يمزقها. اكتفى بالإمساك بالقماش هكذا، مستقراً بإبهامه عند نقرة نحري، وفمه يبعد قيد أنملة عن فكي. بكامل أناقته، قريبٌ حدّ الاختناق، لكنه لم يقتحم بعد. صدم الكرسي المخملي باطن ركبتي، وكانت رائحة الأوزون والورق العتيق تفوح من كمه.
قلت له: "هذا ما هو باتفاق... هذا رسن."
رد وهو يفلت ياقَتي: "ما تفرق، هو نفس الرسن." وظلّ أثر اقترابه الذي كاد يلامسني أكثر حرارة ولسعاً من العلامة نفسها.

خرجت أنفاسي مخنوقة وارتجف جسدي كله. نظرتُ إلى ليو، الذي لم يعد سوى قشرة ضامرة ملقاة على الأرض؛ كان ذلك هو الخيار الآخر: جثة رمادية خاوية.
بصقتُ الكلمة وكأن طعمها السم الزعاف: "تم، أنا معك... بس فكّني من هذا الشيء اللي في ذراعي."
تراجع المحصّل إلى الوراء، فانحسرت الظلال على الفور. بدت عليه علامات التسلية، بل كاد يبدو ضجراً: "الصبر زين يا كين. العلامة باقية لين يندفع الدَّين. اعتبرها تذكيراً بمسارك المهني الجديد."
استدار ليغادر، لكنه توقف عند الباب، والتفت ناظراً من فوق كتفه: "إيه، وبالمناسبة... لا تتعب نفسك وترجع لبيتك، راعي العمارة جالس يفرّغ شقتك الحين. صرت شبح خلاص... شبحي أنا."
ارتميتُ في الكرسي مجدداً، وأنا أحدق في العروق السوداء التي تفشت في معصمي. قضيت عمري كله أقامر بأشياء لا طاقة لي بخسارتها، وها أنا أخيراً أفوز بالجائزة الكبرى. المصيبة أن الجائزة لم تكن سوى رسنٍ حول رقبتي.
مددت يدي والتقطت البطاقة السوداء. كانت دافئة هذه المرة، كأنما تصدر خرخرة هادئة.
تمتمتُ بيني وبين نفسي: "وش الورطة اللي رميت نفسي فيها؟"
فجأة، فُتح باب الغرفة الخلفية بركلة عنيفة. دخلت امرأة يحيط بظلها وهج النيون المنبعث من الممر، ترتدي سترة جلدية وتصوّب مسدساً مزوداً بكاتم صوت نحو جبهتي مباشرة.
صاحت بصوتٍ كلسعة السوط: "مكانك ولا حركة! وين الموزّع؟"
تيبّستُ في مكاني وخفق قلبي رعباً: "ما أدري عن مين تتكلمين."
دنت مني أكثر حتى كادت فوهة السلاح تلامس جلدي. ضيقت عينيها وهي تتفحص معصمي... تلك العروق السوداء. وارتسمت على شفتيها ابتسامة بطيئة تنضح بالخطر.
همست قائلة: "يا سلام... طحت عليك يا الموزّع."