Chapter 2 · الروح على الطاولة

«وقّعت يا كين، وما عاد يمديك تتراجع.»
ارتطمت يد سيلاس بصدري ودفعني إلى الجدار بقوة، حتى ارتد مؤخر رأسي عن الخرسانة.
بصقتُ مغتاظاً: «ما وقّعت على زفت! دسست لي بطاقة سوداء وقلت إنها حظ... هذا مو عقد، هذا نصب واحتيال!»
«تلاعب بالألفاظ.» لم يطرف له جفن. كان قريباً، أقرب مما ينبغي، وتفوح من معطفه برودة كأنه كان واقفاً في مجمّدة موتى. «لمست الورق، واستدعيت الفراغ، وأخذت الفوز... هذا هو التوقيع بعينه.»
كانت أصابعه لا تزال مستقرة على عظمة قصّي. لم يعد يدفعني، بل استكانت هناك فحسب، كأنه يستشعر نبضات قلبي من تحت قميصي... كأنه يملكها.
«ارفع يدك عني.»
«لا.» أمال رأسه. كانت عيناه رماديتين، لكنه لم يكن رماداً عادياً، بل كأنه رماد خالص لا ينفذ منه أي ضوء. «تحسبها مفاوضات؟ تحسب أنك تقدر تمشي كذا بس لأنك ندمت؟»
قلت له: «أشوف أنك غشاش... وإدارة الصالة دايماً تغش. وش صار يعني؟ أنسحب، وأرد الفلوس، وننتهي.»
ضحك سيلاس ضحكة خافتة، خالية تماماً من أي مرح.
وقال: «ما عندك شيء أبي أسترده منك... الفلوس ما كانت المقصد أبداً.»
سحب يده أخيراً. كان موضع لمسته في قميصي بارداً كالثلج. نظرتُ إلى الأسفل، فرأيت العروق السوداء قد عادت؛ خطوط رفيعة تزحف صاعدة من صدري تحت جلدي، وتنبض... لم تكن موجودة قبل خمس دقائق.
قلت: «وش هذا بحق الجحيم؟»
قال: «هذا دَينك يبان عليك... هذه علامتي. وهذا اللي يصير إذا حاول الموزّع يكذب على المحصّل حقّه.»
«أنا ماني موزّعك.»
«إلا، أنت هو.» تراجع خطوة إلى الوراء وسوّى أساور قميصه؛ كانت مهندمة ومكوية بإتقان، وكأنه لم يرتطم برجل لتوه ويدفعه إلى الجدار. «كنت تبي توقّف خساراتك يا كين، تذكر؟ كنت منتهي، مفلّس على الحديدة، ما أحد يرضى يموّلك ولا حتى يخلّيك تقعد على الطاولة. توسّلت عشان تجيك أي ميزة وتربح.»
«ما توسّلت لك.»
«توسّلت لأي شيء ممكن يسمعك، وأنا سمعتك.» بسط كفه، فارتعشت بطاقة وبدت في قبضته من العدم؛ سواد في سواد، بلا نقش ولا رقم، مجرد فراغ يبتلع الضوء. «حزمة ورق واحدة، باحتمالات فوز ما تنكسر، تجيك في يدك الورقة اللي تبيها، وما يكلّفك الأمر إلا نتفة بسيطة في كل مرة.»
«نتفة من إيش؟»
«أنت داري من إيش.»

أحسست بنغزة حادة في صدري، كأن سلكاً ينشدّ بقسوة في داخلي.
قلت: «روحي.» بدت الكلمة سخيفة حين نطقتها بصوت عالٍ، كأنها عبارة مبتذلة في فيلم رديء، لكن العروق نبضت فور أن لفظتها.
قال سيلاس: «عليك نور... تطلع ذكي إذا شغلت مخك.»
«أجل خذها وارجع، مابيها... ما أبي ورقك المغشوش.»
«ما عاد يمديك ترجعها.» نفض معصمه فتلاشت البطاقة. «لعبت بها خلاص، وفزت بها ليلة أمس... ثلاث طاولات، تذكر؟ حسيت بها، صح؟ شفت كيف انطاعت لك الأوراق؟ وكيف الباقين كلهم... انسحبوا بالوقت اللي كنت محتاجهم ينسحبون فيه بالضبط؟»
كنت أتذكر، ويعلم الله أني أتذكر. كانت تلك المرة الأولى منذ عامين التي شعرت فيها أني أدرك ما أفعله، وكأن اللعبة عادت تحبني من جديد.
قلت وريقي جاف: «ذاك ما كان أنا... كانت أوراقك.»
قال: «ذاك أنت، وأنت توزع لصالح الفراغ. هذا هو الشغل. ما عاد تلعب خلاص يا كين، صرت توزع، والفراغ يلعب من خلالك... وهو دائماً يحرص على تحصيل ديونه.»
«وإذا رفضت؟ إذا ببساطة... ما وزعت؟»
«وقتها باخذ حقي بدري.» قالها بنبرة باردة ومحايدة، كأنه يخبرني عن الوقت. «العقد ينص على أني أقدر أنتزع قلبك في اللحظة اللي تتعثر فيها عن السداد. مو مجازاً، بل حقيقة، أمد يدي جواتك وآخذه... تبي تشوف كيف يصير هالشي؟»
تقدم خطوة أخرى نحوي. لم أتحرك، بل لم أستطع؛ كان ظهري لا يزال ملتصقاً بالجدار، وشعرت بساقي كأنهما بُترتا.
قلت له: «قاعد تخادعني.» غير أن صوتي انكسر.
«أخادعك؟» رفع يده من جديد. بدت أصابعه هذه المرة أطول، وأكثر حدة، وأظافره داكنة. «تحس بالسحبة؟ هذا أنا أشد الحبل... جذبة واحدة وتطيح بأرضك.»
التهبت العروق على صدري بحرارة لاذعة، فشهقت. كان شعوراً يجمع بين الجليد والنار في آنٍ واحد، وهو يزحف متسللاً نحو حلقي.
خرجت كلماتي مخنوقة: «بس... وقّف خلاص!»
توقف. هكذا ببساطة. تلاشى الضغط، فانزلقتُ على الجدار بضع سنتيمترات وأنا ألهث بشدة.
قال بصوت خفيض: «شفت؟ ما فيه مفر... هذا هو المغزى من عهد الفراغ. متقن تماماً.»
حدقتُ فيه؛ في معطفه المتقن، وفي وجهه المثالي الذي لم يكن يبدو بشرياً حين يسقط عليه الضوء بزاوية خاطئة. وفجأة لمع شيء في ذهني، شيء خبيث ويائس في عقل المقامر الذي يسكنني استوعب الحقيقة أخيراً.
قلت: «إذا كان متقن لهالدرجة، أجل ليش باقي هنا تكلّمني؟»

قطب سيلاس حاجبيه، مجرد ارتعاشة طفيفة.
«وش قصدك؟»
«لو كنت تقدر تنتزع قلبي بهالبساطة، سوّها! ليش تضيّع وقتك وتتعب لسانك؟ ليش تسوي لي خطبة الأشرار هذي كلها؟» دفعت نفسي عن الجدار. كانت ركبتاي ترتعدان، لكني وقفت مستقيماً. «أنت محتاجني.»
«ماني محتاجك.»
«كلام فاضي.» وجهت إصبعي نحوه، ورغم ارتعاش يدي، فعلتها. «قلت إنك سمعتني لأني توسّلت... كم مغفل غيري توسّل قبلك؟ كم واحد وقّع؟»
اشتد فكّه ولم يجب.
تابعت قائلاً: «كم واحد منهم كمل أسبوع؟ أو حتى يوم؟ أنت محتاج موزّع ما يحترق وينتهي في ليلة واحدة... محتاج واحد يقدر يفوز صدق ويكمل فوز، عشان تلهف منه أكثر من رشفة روح واحدة. كلامي صح، ولا لا؟»
نظر إليّ سيلاس لثوانٍ طويلة، ثم ابتسم، وكانت ابتسامته تلك أفظع من ضحكته.
قال: «طلعت مو غبي مثل ما يبان عليك.»
قلت: «يعني ما تقدر تقتلني كذا وخلاص... إذا ذبحتني هالحين، بتحصل قلب واحد وروح واحدة، وترجع تدور على المغفل الجاي اللي يمكن يموت من أول طاولة. وهالشي ما فيه كفاءة، وأنت تكره قلة الكفاءة.»
«انتبه على نفسك يا كين.»
«لا، بل انتبه أنت لنفسك». كانت كلماتي تخرج سريعة، كما أفعل دوماً حين أشمّ ريحة مراوغة أو ارتباك من الخصم. «تبيني أشتغل لحسابك، وتبيني أكون الموزّع. أجل ما يحق لك تكتفي بتهديدي. لازم تخلي السالفة تسوى تعبي. كذا تمشي العقود، كل طرف ياخذ نصيبه».
«أنت خذيت نصيبك وخلصت؛ خذيت سلسلة انتصاراتك المتتالية».
«ذيك كانت مجرد عيّنة مجانية وتعرف هالشيء زين». خطوت نحوه هذه المرة، مقتحماً مساحته الخاصة. كانت تفوح منه رائحة أوزون ومعدن بارد. «تبي موزّع حقيقي؟ أجل نعيد التفاوض. الحين».
حملق سيلاس بي من علٍ. كان أطول قامة، وكان بإمكانه أن يقصم ظهري إلى نصفين دون عناء. لكنه لم يتحرك قيد أنملة.
قال بصوت خفيض: «لست في موقف يسمح لك بالتفاوض».
قلت له: «بل أنا في الموقف الوحيد اللي يسمح. أنا ذاك المعتوه اللي عنده من الغباء ما يكفي لينجو من ورق لعبك ليلة كاملة. وأنت بنفسك قلت إنك ما تلقى كثيرين مثلي. عشان كذا، اربط نفسك بحبل قبل لا تربطني. تبيني أصيد لحسابك؟ العب بالأصول والقواعد».
«وأي قواعد هذه؟»
«ما يحق لك تاخذ قلبي بس لأن خاطرك ضاق مني. ولا تسحب الحبل وتخنقني لمجرد إني طولت لساني. ما تحصّل اللي تبيه إلا إذا تخلفت فعلاً عن إتمام مهمة. وقبل هذا، تفهمني وش هي المهمة بوضوح، بدون خربطة الفراغ الغامضة ذيك».

ضاقت عينا سيلاس، واضطرب لونهما الرمادي كلون الرماد. وأقسم أنني رأيت لثانية واحدة شيئاً يتحرك خلفهما، شيئاً غائراً في الأعماق.
قال: «تريد أن تضع طوقاً في عنق المحصّل؟ هذا لم يحدث قط».
فقلت له: «لكل شيء أول مرة يا ولد الحلال. تبي موزّع يصمد معك؟ أثبت لي إنك تقدر تمسك يدك عني. قيّد نفسك، أو اذبحني الحين ودور لك على خاسر غيري. الشور شورك».
وقفنا هكذا، صدراً لصدَر. كان أنفاسه تلفح وجهي ببرودة قاسية، بينما كانت أنفاسي تخرج متسارعة ومتقطعة.
ثم تحرّك فجأة. لم يكن ليضربني، بل أطبق على معصمي بقبضة كأنها الجليد. قلب كفي إلى أعلى وضغط بإبهامه بقوة على مركز راحتي.
«آخ! وش ذا الـ—»
سرى في ذراعي لظى كأنه الجمر. سال حبر أسود من موضع لمسته، وتفرعت منه خطوط شكّلت دائرة ورموزاً لم أعهدها لكنني فهمت كنهها في قرارة نفسي؛ كانت وسم العهد.
همس في أذني ووجهه على بُعد شبر من وجهي: «حسناً. تريد طوقاً؟ سأعطيك طوقاً. لكنه يلتف حول عنقي وعنقك معاً يا موزّع».
كان الوسم يكوي لحمي، فعضضت على أسناني لأكتم صرخة تكاد تفلت مني.
تابع سيلاس، وكل كلمة تسقط من فمه كأنها حجر صوان: «أنت تعمل لحسابي. تصيد من آمرك بصيده، وتوزّع حين آمرك بالتوزيع. وفي المقابل... لن أقبض قلبك إلا إذا أخفقت حقاً، ليس قبل ذلك. هذا قسمي، وهو عهد موثوق».
توقف الحريق فجأة. استقر الوسم على راحة يدي معتماً ينبض ببطء، متصلاً بعروق صدري.
أفلت سيلاس يدي. بدت عليه سحنة من الاستياء والانزعاج، وكأنني ألزمته للتو بإنجاز معاملات ورقية يكرهها من أعماقه.
قال: «ها قد طُوِّقتَ وطُوِّقتُ. أأنت راضٍ الآن؟»
شهقت وأنا أقبض على يدي الموجوعة: «طاير من الفرحة».
مد يده إلى داخل معطفه وأخرج ملفاً نحيفاً. كان من ورق رخيص، لكنه ورق حقيقي. قذفه نحوي، فارتطم بصدري وتخبطت للحظة قبل أن أمسك به قبل أن يسقط أرضاً.
قال بصوت عاد إلى جموده وبروده، وكأن الدقيقة الماضية لم تكن: «هذا أول ناقض للعهد تواجهه. وقّع كما وقّعت أنت، وظن الآن أن بوسعه الهرب. إنه مدين للفراغ بثلاثة أرواح. إما أن تأتي به، أو تسدد دينه بروحك أنت».
فتحت الملف بيدي الموسومة. صورة شخصية، واسم، وعنوان في حي النيون. هبطت روحي في قدمي وتملّكني رعب مباغت.
قلت متلعثماً: «تبيني أنا—»
اقترب سيلاس حتى لامست أطراف معطفه ركبتي، وثبّت عينيه في عينيّ وقال حاسماً: «طارد ناقض العهد، وإلا انتزعت قلبك من بين ضلوعك و—»