رجوع

ميثاق الفراغ: دَين الموزّع

0%

Chapter 3 · طريدة حي النيون

ميثاق الفراغ: دَين الموزّع Chapter 3

«إياك أن تتحرك، ولا نفَس!» أطبق سيلاس قبضته على حلقي وضرب بي بقوة في باب الخدمة.

دوّى ارتطام المعدن، وانزلقت بسطاري على الخرسانة المبتلة. كانت صفارات الإنذار تعوي بالفعل في سماء حي النيون، ذلك العويل الذي يلفّ أرجاء المدينة كلها معلنًا الإغلاق التام.

قال وصوته يلامس أذني مباشرة، باردًا وهادئًا، وكأنه لا يخنقني: «يمسحون المكان. رجال إنفاذ نوكس على بُعد ثلاثة مربعات سكنية. إن هربت الحين صادوك، وتموت مهدود الحيل ع الفاضي.»

قلتُ وأنا أغصّ بأنفاسي: «ابعد عني!» لم يتحرك ساعده قيد أنملة، وكانت يده الأخرى مبسوطة على الباب بجانب رأسي، تحاصرني تمامًا. ومع ذلك كانت حرارته تلفحني، تلك الحرارة الغريبة والمشؤومة، غير البشرية بالمرة.

قال: «تحسبها مفاوضات؟ أنت وقّعت، وعليك الدّيْن.»

كانت العلامة السوداء على معصمي تلتهب، احتراقًا حقيقيًا لا مجاز فيه. رأيت العروق تسودّ تحت جلدي، تزحف صاعدة نحو مرفقي.

نهَرتُه: «فاهم والله، الوقت يحاصرني، ما يحتاج تكويني كل خمس دقائق!»

«بل يحتاج، لأنك تنسى.» دنا مني أكثر، وكانت عيناه بلون الفراغ الأسود المستحيل، لا بياض فيهما البتة. «معك 47 دقيقة لتجيب لي كاسرًا... وإلا حصّلتُ دَيْني.»

مسح كشاف ضوئي الزقاق، فانتفضتُ، بينما لم يطرف لسيلاس جفن. بل زاد من ضغطه، وألصق صدره بصدري حتى كدتُ أشعر بنبضه... أو أيًا كان ذلك الشيء. نبضٌ شديد البطء، وثابت إلى حد مريب.

فحيحٌ خرج من بين أسناني: «ما نقدر نجلس هنا، بيمسحون الباب.»

«إذن لا نبقى عنده.» جذبني جانبًا وركل فتحة الصيانة ليفتحها. كانت مجرد خزانة ضيقة، مساحتها نحو 3 أقدام في 3 أقدام. فيها مماسيح، ورائحة مواد كيميائية نفاذة، ومصباح وحيد يرتعش ضوؤه. دفعني أولًا ثم دلف خلفي.

لم تكن المسألة مجرد التصاق إجباري في مكان ضيق، بل كانت أفظع من ذلك. ركبته بين ساقيّ، وظهري ارتطم بالأرفف، وما زالت يده تقبض على حلقي وإبهامه يضغط موضع نبضي.

قلت: «اترك مسافة يا وغد.»

ظلت ركبته بين فخذيّ. مشبك حزامه بارد يخترق بنطال الجينز، وسحّاب سترته يضغط على قميصي. حرّك وركيه لمرة واحدة، حركة خفيفة جعلتني أشعر به عند المدخل، ولم يدخل. ليس بعد. كاد يفعل، متأهبًا تمامًا. كانت الخزانة لا تتجاوز 3 أقدام، محشوة بالمعاطف والأنفاس.

قال: «خسرتها يوم بعت روحك مقابل ورق لعب مغشوش. اكتم أنفاسك.»

في الخارج، تناهى هدير بساطير تدكّ الأرض، وأزيز طائرات مسيّرة تحوم في الأجواء. ونبح أحد رجال الإنفاذ عبر مكبّر صوت: «إلى جميع أصحاب بصمات الفراغ غير المسجلة، الزموا أماكنكم. المسح جارٍ الآن.»

نبضت علامتي، بحرارة ثم ببرودة مباغتة. نظر سيلاس إليها وابتسم؛ لم تكن ابتسامة لطيفة أبدًا.

قال: «إنها جائعة.»

«هي تخصك أنت، سيطر عليها.»

«لا، بل تخصك، وأنت من يطعمها.» أفلت حلقي أخيرًا وأمسك بمعصمي بدلًا منه، وقلب كفي إلى أعلى. كان الجلد قد اسودّ تقريبًا حتى المرفق. «ودّك تتبع طريدتك؟ ادفع الثمن... من جديد.»

ميثاق الفراغ: دَين الموزّع Chapter 3

أخرج بطاقة من معطفه؛ لم تكن بطاقة لعب، بل بطاقة عقد. بيضاء فارغة إلا من اسمي الذي ينزف فوقها باللون الأحمر.

قلت: «وقّعت من قبل.»

«وقّع ثانية. كل صيد يحتاج ختمًا جديدًا، وإلا صهرَتْك حواجز الحيّ قبل أن تقترب منها حتى.»

«وإن رفضت؟»

ضغط البطاقة على علامتي المشتعلة، فسرى ألمٌ كالسلك في ذراعي. «حينها سأنتزع قلبك هنا في هذه الخزانة، وأقول لنوكس إنك قاومت. القرار لك يا موزّع.»

حدّقتُ فيه، فردّ بنظرة ثابتة دون أن يطرف. والحرارة المنبعثة منه جعلت الغرفة الضيقة تنضح عرقًا.

قلت: «ما شاء الله، كلك ذوق وسحر، تدري عاد؟»

«وقّع.»

ضربتُ بإبهامي على البطاقة، فكوتني. سرى حبر أسود من البطاقة صاعدًا في عروقي، وتلاشت البطاقة بأكملها داخل جلدي. توقفت العلامة عن الاشتعال وصارت باردة كالثلج.

وللحظة خاطفة رأيته: خيط رفيع، بلون أحمر يداخله السواد، يشدني نحو الشمال الشرقي. نحو أضواء النيون.

همس سيلاس وفمه قريب جدًا من أذني: «ها هو ذا... تحسّ به؟ عمره 26 سنة. خائف. مجرد لص. سرق بطاقة فراغ رديئة ليسدد فواتير علاج أخته. مختبئ في صالة الألعاب بشارع 9.»

«كنت داري من البداية.»

«أكيد داري. كنت أبي أشوف هل بتهرب ولا لا.» تراجع أخيرًا خطوة إلى الوراء، مجرد شبر، بالقدر الذي سمح لي بالتنفس دون أن أستنشق أنفاسه. «رح سوّ شغلك يا كين. جِب لي البطاقة، وجِب لي الروح المربوطة بها.»

انقطع عويل صفارة الإغلاق، وابتعد وقع البساطير. فتح سيلاس باب الخزانة وجرّني إلى الخارج وكأني لا أزن شيئًا.

حي النيون في الليل أكذوبة كبرى. كل تلك الأضواء الوردية والزرقاء، وتلك الموسيقى، بينما تفوح من تحته روائح الزيت المقلي والبول والأوزون. تحركنا بخفة، ورؤوسنا منحنية، نقتفي أثر ذلك الخيط الذي لا يراه أحد سواي.

قال سيلاس: «خلك وراي.»

«بل خلك أنت وراي. أنت اللي تشعّ بالظلام.»

ضحك بالفعل؛ ضحكة قصيرة وحادة: «يا حليلك.»

كانت صالة الألعاب في شارع 9 شبه مغلقة بسبب حملة التفتيش. وفي الداخل، انكمش رجل بالغ خلف آلات التقاط الدمى. لا يزيد عمره عن 26 يومًا واحدًا. يرتدي سترة بقلنسوة فضفاضة للغاية، ويداه ترتجفان، وبطاقة فراغ رخيصة تتوهج وترمش في كفه كمصباح معطوب.

لمحنا، فتراجع زاحفًا بذعر.

ميثاق الفراغ: دَين الموزّع Chapter 3

صرخ وصوته يتهدج: «لا! لا تقربون! والله ما سرقت شي! لقيتها طايحة!»

قلتُ رافعًا يديّ: «هَدّ... خذ نفس بس. ماني من رجال الإنفاذ.»

وقف سيلاس عند عتبة الباب، مكتوف اليدين، يسدّ طريق الخروج. تاركًا لي المهمة، يراقب بصمت.

قال الشاب وهو يحدق في معصمي، حيث بانت العروق السوداء، فعرف ما أكون: «إلا منهم... أنت موزّع! جاي تاخذها. تكفى... أختي في العيادة بشارع 4، قالوا يبون عشرة آلاف ولا بيفصلون عنها الأجهزة. والله العظيم البطاقة كانت مرمية بالأرض، أقسم بالله—»

سألته: «وش اسمك؟»

«مايلو... اسمي مايلو، تكفى! برجعها... بس لا تقتلني.»

غصّ حلقي. كان يشبه أخي الصغير قبل أن تقتله جرعة زائدة في تلك العيادة نفسها.

ناداني سيلاس من خلفي بصوت خافت يحمل نبرة تحذير: «كين... الوقت.»

«أعرف الوقت زين،» قلتها بنبرة حادة دون أن ألتفت إلى الوراء.

جلستُ على عقبَيّ حتى صرتُ في مستوى عينَي مايلو. كانت البطاقة في كفّه تطنّ، متغذيةً على خوفه. بطاقة من رتبة دنيا، مشروخة الزاوية، وقد بدأت تنهش فيه بالفعل.

قلتُ له: «اسمعني يا مايلو. هالبطاقة بتذبحك. حاس فيها، صح؟ البرودة؟ الصداع؟ ما تقدر تخليها معك.»

«ما يهمني!» شدّ قبضته عليها والدموع تسيل على خدّيه. «إذا عطيتك إياها، بتموت هي!»

«وإذا خليتها معك، بتموتون أنتم الاثنين. كذا تمشي الأمور.»

«أجل ساعدني!» تشبّث بكمّي بأصابع متجمّدة كالثلج. «أنت موزّع، تقدر تضبطها، صح؟ تقدر—»

قلتُ وصوتي ينكسر: «ما أقدر أصلح أي شي... ولا حتى أقدر أصلح نفسي.»

تحرّك سيلاس. خطوة واحدة فقط، فهبطت حرارة الهواء في صالة الألعاب 10 درجات.

«كين. خذها. الحين. وإلا باخذكم اثنينكم.»

«قاعد أتصرّف!»

«لا، أنت تماطل، لأنك تحسبه يشبهك.» استقرّت يد سيلاس على كتفي؛ قاسيةً، متملّكة، ولفحت حرارتُه سترتي حتى نفذت إلى عظمي. «ماهو أنت. خلّص شغلنا.»

ميثاق الفراغ: دَين الموزّع Chapter 3

شخصت عينا مايلو نحو سيلاس وشحب وجهه حتى ابيضّ: «لا... لا، تكفى—»

حسمتُ أمري، أو لعلّ العلامة هي التي اختارت عني. قبضتُ على معصم مايلو.

همستُ: «سامحني.»

ثمّ مزّقت.

لم تكن البطاقة ما مزّقته، بل الخيط الكامن تحتها. غرزتُ أظافري في الضوء المنبعث من راحة كفّه وجذبته بكل قوتي. صرخ مايلو صرخةً تجرّدت من كل صفة بشرية. خرجت البطاقة معه، لكن شيئاً آخر خرج أيضاً؛ فرقعة ساخنة وضّاءة كأنها مطاط ينقطع في باطن يدي. روحه. شعرت بها تنفلق في كفي، لزجةً ترتعد.

انهار مايلو. لم يكن ميتاً، بل خاوياً؛ عيناه مفتوحتان، يتنفس، لكن لا حياة تسكن خلفهما. أمّا البطاقة في يدي، فاستحالت فجأة صلبةً، ثقيلة، تنبض كقلب حيّ.

«وش... وش سويت أنا؟» كانت يدي ترتجف بعنف كاد يسقطها مني. «وش اللي سويته للتو؟»

قال سيلاس بنبرة يغشاها الرضا: «حصّلتَ الدَّيْن.» التقط البطاقة من بين أصابعي، وكانت لمسته جليداً. «سوّيت زين بالنسبة لأول مرة، أغلبهم يستفرغون.»

ظلّ مايلو ملقىً على الأرض، يحدّق في الفراغ. حيّاً، لكنه مفرّغٌ من داخله.

قلتُ له: «دبّر أمره. رجّعها له.»

«ما يصير. العقد خلَص.» دسّ سيلاس البطاقة في معطفه. ثمّ انتفضت البطاقة، ولفظت شيئاً منها.

لم يكن دماً، بل ضوءاً. إسقاطاً وميضياً تذبذب في الفضاء بيننا؛ ملفاً يحوي نصاً وخريطة. شبكة ثلاثية الأبعاد لمدينة نوكس، وفي أعماقها السحيقة، أسفل قنوات الصرف وأسفل الأساسات، تجسّد شكلٌ أحمر هائل ينبض.

مُعنوَن بـ: قلب الفراغ - الكيان الجوهري - الحالة: ينبض - الموقع: نوكس، المستوى الفرعي 0.

لهثتُ مصدوماً: «وش ذا بحق الجحيم؟»

تجمّد سيلاس تماماً. تعلّقت عيناه الحالكتان كسواد الفراغ بذلك الشكل النابض. ولأول مرة، بدت عليه ملامح المباغتة... ثم تلتها نظرة جشع مفترس.

حوّل تلك النظرة نحوي، ببطء مريب. ارتفعت يده لتحتضن فكّي، وضغط إبهامه بقسوة على عظمة وجنتي. كان قريباً أكثر مما ينبغي، حارقاً، وأنفاسه تلفحني.

همس بصوت خافتٍ خطير يشوبه حماسٌ دفين: «يا موزّع... معقولة لقيت لي إله؟»

لم يُمهلني فرصةً للرد. دفعني إلى الوراء برفق قاهر، متجاوزاً منضدة الجوائز وبعيداً عن مرمى بصر مايلو الشاخص، حتى استقرّ زجاج آلة الدمى خلف كتفيّ. لم يعد الجوع المرتسم على ملامحه موجهاً نحو ذلك الشيء القابع تحت المدينة... بل صار نحو الشيء الذي عثر عليه.

انفرج معطفه. وبيد واحدة، دون أدنى تردد أو ارتباك، حلّ حزامي كأنما وقّع استلامه مسبقاً، ودفع بنطال الجينز إلى أسفل وركيّ. كان صقيع البطاقة المحصَّلة في جيبه ينفذ عبر معطفينا معاً، قبل ألا يتبقى فيه ذرة برود واحدة. التصق بي هناك عند المدخل، ساخناً وثقيلاً، متمهلاً دون أن يقتحم... ليس بعد. كان يمسك بزمام الأمر، ويمسك بي. وفوق رأسينا، كانت أنوار النيون الميتة لآلة الدمى تطقطق بنبضاتها الباهتة.

قالها ملتصقاً بشفتي: «ساعدني أنتزعه... وإلا شققتك أنت أولاً لأنتزعه منك. اختر يا كين، قبل أن—»