Chapter 1 · عروس الهدنة
أطبقت يد أبي على مرفقي كقيدٍ من فولاذ، ودفع بي في الممر الأوسط لكاتدرائية «هولي نيم» كما يُساق العِجل مرغماً نحو المذبح.
تمتم من بين أسنان بالكاد تحرّكت: «ابتسمي.. مئتا عين ترقبك.»
وكانوا يفعلون، بلا شك.

نصف المقاعد كانت تغصّ برجال شاركوا في مواراة أمي الثرى قبل 14 شهراً. كل واحد منهم ارتدى السواد يومها، وشدّ على أصابعي الباردة في مجلس العزاء، وكذب في وجهي مدعياً الحزن والأسى.
ابتسمت، وأحسست بجلد وجنتيّ كأنه يكاد ينشقّ.
كان الدانتيل العتيق المتبقي من فستان أمي يخدش باطن فخذي. وتحت الحاشية مباشرة، ثُبّت خنجرٌ رفيع بطول 4 بوصات بشريط لاصق جراحي، جاثماً بحرارته عند مجرى نبضي. شحذ سلفاتوري نصله الليلة الماضية على طاولة المطبخ، وهو يحتسي ويسكياً عتّق 18 عاماً، ويخبرني كم هو شرفٌ عظيم؛ قربان سلامٍ مقدّس، عروسٌ وُضعت لتوقف نزيف الدم.
لم يسألني أحد. رجالٌ من شاكلتهم لا يسألون أحداً قط؛ يلفّونك بالحرير، ثم يسمّون ذلك وفاءً للعائلة.
عند المذبح، التفت دانتي فيرارا.
كنتُ قد تفحّصت صور المراقبة مليّاً: لقطات صحفية باهتة أمام المحكمة، ومشهدٌ ماطر في مقبرة لم يكلّف نفسه فيه عناء خلع نظارته الشمسية. لكن أياً من تلك الأوراق لم يكن يضاهي الواقع في شيء.
كان مهيب البنية، ضخماً؛ صوفٌ أسود مفصّل بإتقان، وربطة عنق من الحرير الأسود، وكتفان عريضان انتصبا في مواجهة تماثيل القديسين الرخامية. يداه الضخمتان متشابكتان أمامه في هدوءٍ قاتل، كرجلٍ يطالع ساعته ببرود إبّان تأخر رحلته. لا توتر، ولا لهفة؛ صبورٌ كما تصبر بوابةٌ من حديد.
هذا هو الرجل الذي وقّع على قرار إعدام أمي أمام مدخل بيتها.
نزع أبي أصابعه عن ذراعي وتراجع خطوة إلى الوراء. لم يكن ذلك شعوراً بالحرية، بل كان أشبه بخطوةٍ في فراغ الهاوية.
مدّ دانتي كفه المفتوحة.
ولم أمدّ يدي.
تشنّجت عضلات فكّه، ثم أطبق على معصمي العاري بقبضة ثقيلة خشنة، وجذبني إلى الدرجة بجواره بسلاسةٍ جعلت الصفوف الأربعة الأولى تطلق تنهيدة إعجابٍ جماعية حالمة.
همس، وصوته ينساب هادئاً تحت أنغام الأرغن: «ترتعدين.»
«أنا ما أرتعد.»
«نبضك يكاد يقفز من تحت جلدك يا طائري الصغير.»
«المكان هنا بارد.»
«الحرارة تقارب الـ 80 يا لوسيا.» كانت عيناه رماديتين داكنتين لا تطرفان. «تنفسي.. تراهم كلهم ينتظرون عذراً للشفقة عليك، فلا تعطينهم إياه.»
سلب كلامه الهواء من صدري. شفقة؟ ومن الرجل الذي جئتُ إلى هنا لأهدر دمه؟
رفع الأب برينان كتابه المغلف بالجلد، وراح يتلو الطقوس بصوتٍ رتيب: أيها الإخوة الأحباء.. مجتمعين في هذا الرباط.. بالكاد التقطت كلمة من بين كل أربع كلمات، إذ غرق الباقي في هديرٍ ملأ أذنيّ، وفي وخز الغمد على ساقي، وبإبهام دانتي وهو يمرّ ببطء على الوريد الأزرق في معصمي؛ بطيئاً، متعمداً، كأنه يضبط توقيت ذعري على دقات نبضي.
في الصف الأمامي، تنحنح أحدهم بحشرجة جافة رطبة في آن.
إنه سلفاتوري. كان يصدر هذا الصوت دائماً قبيل الاستمتاع برؤية شيءٍ يُذبح.
كان جالساً بحلته الحريرية الفحمية، واضعاً ساقاً على ساق، يربّت على عينه بمنديل أبيض. الخال الحنون.. صانع السلام.. الرجل الذي احتضن وجهي بكفّيه أمام نعش أمي المفتوح، وأقسم بالله أنه سيصلح كل شيء.
تمتمت شفتاه بكلمة صامتة واحدة: *ابتسمي*.
النبرة ذاتها كنبرة أبي، والعفن ذاته.
«هل تقبل، يا دانتي فيرارا، بهذه المرأة زوجةً شرعية لك؟»
«أقبل.» قاطعه قبل أن يخفض الكاهن كتابه؛ بصوتٍ جاف قاطع، كتوقيع بيان شحنة بضائع.
وماتت ضحكة مرتبكة في مكان ما بين المقاعد.
«وهل تقبلين، يا لوسيا ماريا موريتي...»
فتحتُ شفتي، فلم يخرج منهما صوت.
تدربتُ على هذا عند الساعة 4 فجراً أمام مرآة الحمام المشروخة، 9 مرات متتالية، حتى غدا صوتي مفرغاً من كل روح. لكن لساني الآن التصق بسقف حلقي.
أمال مئتا مدعوّ رؤوسهم بترقّب، وبيضّت مفاصل أصابع أبي وهي تقبض على حافة المقعد.
لم يلتفت دانتي نحوي أبداً، غير أن أصابعه اشتدت على معصمي حتى كادت عظامه تطحن بعضها.
قال بصوتٍ خافت لا تكاد تسمعه إلا حواسي: «قوليها هنا.. وإلا سحبوكِ لغرفة الكهنة وخلوكِ تقولينها من غير ترانيم.»
«تهددني يعني؟»
«بل هذا أقصى معروف بتلقينه مني اليوم.»
مزّق الخدرَ في صدري كرهٌ حارقٌ ونقي، فكان ذلك أول شعور حقيقي أحسّه طوال هذا الصباح.
قلت: «أقبل.»
أفرغت القاعة أنفاسها بارتياحٍ جماعي مسموع.
«الخاتمان.»
فتح أحد معاوني فيرارا علبةً من المخمل الأسود بحركة خاطفة. رفع دانتي الخاتم منها؛ كان ذا صياغة قديمة، بارداً وثقيلاً كحبة بَرَد. وتحت مشابك البلاتين مباشرة، محشوراً في تفاصيل النقش الدقيق، رست قشرةٌ بلون الصدأ البني.
دمٌ جاف. لم تكن صبغة تعتيق، بل دماً متخثراً متجلطاً في فجوات المعدن.
قال دانتي بصوتٍ بدا مسموعاً بما يكفي لتبهت ابتسامة الكاهن: «هذا عُرف آل فيرارا.. كل زوجة جديدة تسدد فاتورة اللي قبلها.»
«أنت مريض.»
«بل حريص ولا أترك شاردة ولا واردة.» أمسك بيدي اليسرى، وكانت كفه ساخنة ابتلعت كفي تماماً. «اثبتي مكانك.»
كان مقاس الحلقة أصغر بدرجة، ومع ذلك حشرها في إصبعي متجاوزاً المفصل، فحفّت الماسة جلدي حتى سحجته.
«آه..»
«زين.» فرك إبهامه الموضع المحمرّ. «تذكري هذا الإحساس زين.»
تلا الكاهن بركة الختام على عجل، ولم أسمع منها حرفاً واحداً؛ كان بصري شاخصاً نحو أثر الدم على إصبعي، ولم يدر في خلدي سوى كيس الأحراز الذي سلّموني إياه في مشرحة المقاطعة؛ إذ لم يكن خاتم زواج أمي بداخله قط.
ولم أسأل أبي يوماً عمن أخذه.
«لك أن تقبّل عروسك الآن.»
غرستُ كعبيّ في الرخام وتصلّبت. أسنان، وأيادٍ فظة، وإعلان تملّك يُختم أمام الله والملأ أجمعين. وكنتُ قد جهّزت ركبتي لأغرسها بين فخذيه في اللحظة التي يدنو فيها مني.
لكنه لم يمسّ فمي.
ارتفعت يده بدلاً من ذلك. وبرقةٍ مروّعة، ردّت مفاصل أصابعه خصلة شعر داكنة خلف أذني، ثم انحنى كأنه يوشك أن يهمس بسرّ عاشق. لفحت أنفاسه عنقي؛ عبير خشب الأرز، ومرارة الإسبريسو، ورائحة زيت السلاح.
توقفت شفتاه على بُعد مليمتر واحد من فكّي.
وانزلقت يده الأخرى نحو خصري، ثم انساب إبهامه إلى الأسفل فوق دانتيل فستان الزفاف ليستقرّ مباشرة على مقبض النصل المثبّت بلاصق على فخذي.
في الموضع ذاته تماماً.
سرى في عمودي الفقري انشدادٌ قارس، كأنما طُبِق عليه سلكٌ من جليد.
همس دانتي عند بشرتي: «خلّي هالحديدة مدسوسة ومشدودة زين، يا عروسنا الصغيرة... ما لك إلا ضربة وحدة صوب نحري؛ إن أخطأتِ، فما هو بحاضر سلفاتوري لينبش عليك ويطلّعك.»
حبستُ أنفاسي.
لم يكن يعلم بأمر ذلك الخنجر سوى رجلين اثنين على وجه البسيطة؛ أحدهما شحذه البارحة.
والآخر كان يقف خلفي، لا يزال متشبثاً بحافة المقعد الخشبي، وكنت أسمع انقطاع أنفاسه هو الآخر.