رجوع

عروس الدون القاسي

0%

Chapter 2 · القفص المذهب

عروس الدون القاسي Chapter 2

كان على طرحتي دمٌ، ولم يكن دمي.

ومع ذلك، بقيتُ رافعةً رأسي. أربعمائة شخص غصّ بهم ممر الكاتدرائية، يراقبون دانتي فيرارا وهو يجرّني إلى الخارج كغنيمة دفع ثمنها نقداً. لم يُصفّق أحد. وفي الصف الثالث، كانت هناك جدة ترسم إشارة الصليب على صدرها بوجل.

أبي لم يتنازل حتى بالنظر إليّ؛ ظلّت عيناه مسمّرتين على الأرضية الرخامية، وكأنني ورطة دفع لشخص آخر ثمن تنظيفها.

أما العم سلفاتوري فنظر. بل وابتسم ذلك النذل، رافعاً إصبعين عن مقبض عصاه المذهب، في تلويحة خفيفة، كأني ذاهبة في نزهة صيفية لا إلى مذبحة.

كان الخنجر الفولاذي المربوط إلى باطن فخذي يلذع جلدي كجمرة حارقة.

تمتم دانتي بصوت خافت لم تكد تتحرك معه شفتاه: «ابتسمي.»

«انقلع للجحيم.»

ردّ ببرود: «أنا في وسطها وخالص يا بعد عمري.. صرتِ زوجتي.» ثم غرز إبهامه في معصمي من الداخل، ضاغطاً بقوة على نبضي المتسارع: «قلب أرنب! هدّي يا لوسيا، اهدئي وخليهم يحسبون إنك راضية باللي يصير.»

كنت أريد أن أنهش حنجرته بأسناني، لكنني أبطأتُ خطواتي رغم ذلك.

انفتحت الأبواب البرونزية الثقيلة بعنف، وانطلقت أضواء فلاشات الكاميرات كأنها فرقة إعدام تطلق الرصاص. كان رجاله قد حشروا مصوري الباباراتزي خلف جدار من سيارات السوبربان السوداء، والأسلحة مخبأة بعناية تحت ستراتهم المفصلة. قادني دانتي عبر الفجوة وهو يضع راحة يده مبسوطة على أسفل ظهري.

لم تكن قبضته خشنة، وذلك تحديداً ما يثير الغثيان؛ كان حذراً في لمسته، كأنه يتعامل مع زجاج هشّ لم يقرر بعد كيف سيهشمه.

كان باب الليموزين مفتوحاً. انزلقتُ إلى المقعد الجلدي، لكن طرف ردائي الحريري الثقيل علق بحافة الباب. لم يشدّه دانتي، بل نزل على ركبتيه، وفكّ الدانتيل العالق بإصبعين، ثم سوّى القماش فوق ركبتي بهدوء.

مرّت مفاصل أصابعه على بشرتي العارية، فوق الحزام العلوي لغمد الخنجر مباشرة.

احتبست الأنفاس في صدري.

لم يتوقف، ولم يطأطئ بصره، بل أغلق الباب الثقيل بقوة ودار حول مقدمة السيارة، تاركاً إياي أرتجف في العتمة مع سؤال واحد ينهش رأسي بلا رحمة:

هل أحسّ بالفولاذ؟

طقطق قفل باب السائق، ثم جلس دانتي إلى جانبي مباشرة. ارتفع الحاجز العازل في همهمة مكتومة، ليعزلنا تماماً عن المقدمة، وأقفلت الأبواب الأربعة معاً بصوت واحد حاسم.

«طَق».

سألتُه بنبرة بدت أكثر حدة مما أشعر به حقاً: «لوين مودّينا؟»

«البيت.»

«بيتي في شارع آستور.»

«بيتكِ هو المكان اللي أنام فيه.» جذّ دانتي ربطة عنقه الحريرية بيده ليرخيها. كانت مفاصل أصابعه عريضة، تشقها ندوب بيضاء قديمة، وعلى ردنه الأيسر لطخة بنية باهتة جفّت من شمبانيا عمي. أردف قائلاً: «تبين تخيسين بالنكد أو تبين تتكلمين، ما همّني في الحالتين.. الليل كله قدامنا.»

«ماني قايلة لك ولا كلمة.»

«أحسن. أصلاً أحبك ساكتة.»

جلسنا في العتمة. كانت المدينة تتلاشى خلف الزجاج المظلل كخطوط برتقالية باهتة من أضواء الشوارع. عبرنا شارع ميشيغان، ثم طريق ليك شور درايف، حتى وصلنا إلى الامتداد الطويل والخالي من الطريق السريع الخارجي، بينما كانت البحيرة ترقد عن يسارنا؛ سوداء وساكنة كزيت مسكوب.

كان يستحوذ على نصف المقصورة، وليس ذلك لضخامة كتفيه وحسب، بل للحرارة التي تشعّ من بدنه، ولرائحة خشب الأرز المختلطة بزيت السلاح وعرق الرجال النظيف. كرهتُ كيف التقطت حواسي تلك الرائحة بهذه السرعة.

قال دون أن يلتفت إليّ: «ترتعدين.»

«برد شتاء.»

«كذابة.»

خلع سترة بدلته ورماها في حجري. كانت تفوح برائحته، ثقيلة، وتحمل دفء ظهره. انقبضت أصابعي على قماش الصوف، وتمنيت لو أرميها في وجهه مباشرة.

وفجأة، استقرت يده على ركبتي.

لم يكن يتحسس صعوداً، ولم يقبض عليها، بل ترك يده هناك فحسب؛ ثقيلة، تلذع عبر الحرير، وبثقة مطلقة لا تهتز. تصلّب عمودي الفقري بالكامل.

«شيّل يدك عني يا دانتي.»

«ورّيني كيف بتجبريني.»

كان بإمكاني فعلها؛ وتلك هي النكتة السمجة في الأمر. مسافة بوصتين من الساتان، ونصل بطول ست بوصات، وأسرع سحبة سلاح في عائلة موريتي. علمتني أمي كيف أذبح الشريان السباتي قبل أن أبلغ السن القانونية لقيادة السيارة.

تحرك إبهامه بحركة بطيئة وثقيلة، يمسح بها صابونة ركبتي ذهاباً وإياباً كأنه يروّض كائناً شرساً. وظلت عيناه مسمّرتين على سواد الماء في الخارج.

تمتم بصوت خفيض رخيم، يتهادى بخشونة في هدوء السيارة: «للحين ما جا وقتها. ما أنتِ جاهزة، ولا أنا جاهز. انتظري إلين تقفل علينا الأبواب.»

جفّ الريق في فمي.

إنه يدري.

لا بد وأنه يعلم، فما من أحد يلقي كلمة كهذه إلا وهو يدري تماماً.

ومع ذلك لم يمد يده نحو النصل، ولم يقيد معصمي، ولم يعطِ إشارة للحراس الذين يتبعوننا في الخلف. اكتفى بترك يده الحارقة رابضة فوق أطراف أعصابي المكشوفة، تاركاً إياي أغلي في إدراك المساحة التي يرخي لي بها حبل نجاتي المزعوم.

همستُ: «ليه؟»

«ليه إيش؟»

«ليه خليتني أطلع من الكنيسة وهو معي؟»

التفت دانتي برأسه أخيراً. كانت عيناه بلون حجر الإردواز في الظلال؛ باردتين لا تطرفان. لا ابتسامة، ولا تباهٍ، بل سلطة مطلقة وميتة، وهو ما قلب معدتي رعباً أكثر مما يفعل أي بطش.

أجاب بصوت خفيض: «لأني كنت أبي أشوف وش بتسوين فيه يا لوسيا. ما سحبتيه للحين.. وهذا معناه إنكِ ذكية، أو مرعوبة. وعمّا قريب بنعرف أيتهم أنتِ.»

اهتزت الإطارات فوق فواصل التمدد الإسفلتية، فتحول هدير الطريق إلى صدى أجوف. دخلنا الجسر البحري؛ الماء يحيط بنا من الجهتين، عميقاً ومتجمداً. شريط إسفلتي مرتفع يشق عرض البحيرة، تضيئه كشافات عملاقة كل خمسين ياردة، وكانت كل كشّافة منها موجهة إلى الخارج، ترسم دوائر ضوء فوق سطح الماء المفتوح.

لم تكن تحرس الطريق، بل ترقب البحيرة.

تمتمتُ، كارهةً البحة المرتجفة في حلقي: «ما فيه أحد بهالغباء عشان يهجم من جهة الماء.»

فردّ باقتضاب: «محد داخل هنا أصلاً.»

برزت شبه الجزيرة من بين سحب الضباب كسنّ مسننة من الغرانيت الأسود تنهض من مياه البحيرة، تتوجها قلعة من الزجاج المظلل والفولاذ المقوّى. كانت تضيء من الداخل كأنها واجهة عرض باذخة. وكانت كاميرات المراقبة، المثبتة على قواعد دوّارة، تترصد اقترابنا وتتعقبه. على حافة السطح، تسمّر قنّاص دون حراك وبندقيته متدلية فوق صدره. وفي الأسفل، فوق المرج الأخضر المشذب بعناية، كان الحارس يجاهد لكبح جماح كلب مالينو يندفع بشراسة.

كان المشهد فاتناً... ذلك الطراز من الفتنة المخصص تماماً لأقفاص شُيّدت لمنع الضواري من الإفلات.

طوّق المكان سياج أمني من الحديد المطروق بارتفاع 12 قدماً، تتوّجه أسنة معكوفة حادة بلا رحمة. وحفّ بالبوابة حارسان بكامل عتادهما التكتيكي، يقفان خلف امرأة يشق حنجرتها ندب جراحي نظيف.

التقت نظراتها بنظراتي عبر زجاج السيارة المعتم. ولنصف ثانية، هوت ذقنها بإيماءة خافتة صامتة.

ثم تراجعت خطوة إلى عتمة الظلال.

انفرجت البوابتان الهيدروليكيتان كفكّين من حديد. وتهادت سيارة الليموزين فوق الدرب المرصوف بالحصى، بينما تطحن الإطارات الحجارة برتابة وبطء. التويتُ في جلستي ناظرة عبر النافذة الخلفية.

انطبقت البوابتان بفرقعة مدوّية؛ التحم لوحان فولاذيان هائلان بارتداد سرت رعشته في ألواح أرضية الليموزين، ثم انزلق مزلاج بحجم ساعدي مستقراً في موضعه بإحكام.

استدرتُ والتفتّ للأمام.

كان دانتي يحدق في وجهي مباشرة، وأصابعه تطبق على ركبتي بقوة كادت ترضّ العظم.

همس بصوت خافت: «ما أحد يطلع من هالصخرة حيّ إلا ببصمة إبهامي.»