Chapter 3 · الحرير البارد والفولاذ

انغلق القفل ورائي بطقّة حاسمة؛ ثلاثة مزاليج ثقيلة دارت مكانها، أعقبها رنين لوحة المفاتيح بنغمة تزهو بنصرها.
لم ألتفت، بل شخَص بصري نحو السرير.
كان مصطبة من رخام أسود، كُسيت بحرير فاحم كلون الفحم. لم يكن مظهره قطعة أثاث بقدر ما بدا كأنه مَوضِع يُسجّى عليه ميت. وخلف مؤخرته، امتدت قضبان حديدية من الأرضية حتى السقف معترضةً أبواب الشرفة؛ وخلف تلك القضبان، لم يكن ثمة سوى جرف شاهق ومياه سوداء داكنة.
قفص مذهّب... يبدو أن دانتي يتمتع بروح دعابة لا شك فيها.
قال من خلفي، وصوته ناعم وخافت: «خذي لكِ نظرة في المكان يا مدام فيرارا... تراكِ بتشوفين منه واجد.»
مدام فيرارا.
كان دم ذاك الغريب لا يزال يجفّ على طرحتي منذ كنا على درجات الكاتدرائية. تجرأ أحمق وحاول اعتراض طريق السيارة في الخارج، فأرداه دانتي قتيلاً دون أن تطرف له عين.
كان ذيل فستاني يجرجر ثقله وبرودته القارسة حول كاحليّ. أما خاتم الألماس في يدي اليسرى، فلم يكن يبدو كحليٍّ للزينة، بل كقيد مصفّح بالألماس.
وأعلى فخذي اليسرى، تحت ثلاث طبقات قاسية من الدانتيل والكرينولين، كان الخنجر ملتصقاً بجلدي تماماً. نصل من فولاذ بارد على فخذ دافئة، وسُمٌّ زعاف يغمر طرفه المدبب.
كان يعلم بأمره. بل أخبرني بذلك صراحةً أثناء الطريق، واضعاً يده الثقيلة على ركبتي كمن يفكر إن كان سيحتفظ بكلب ضال أم يتخلص منه.
*«ورّيني كيف بتستعملينه.»*
فلِمَ بحق الجحيم لم يجرّدني منه حتى الآن؟
سألتُه بصوت خرج أضيق مما وددت، غير أنه كان ثابتاً بما يكفي: «وين باقي الغرفة؟ وإلا هذا هو الترتيب كله؟ مصطبة رخام وقفص قضبان؟»
«الحمام من هناك، وغرفة الملابس جنبه.» نزع سترة التوكسيدو وألقى بها فوق كرسي جلدي بأريحية من يملك الليل بطوله. «ما أحد يدخل هنا... وما تطلعين إلا معي.»
«هذا جنون.»
«هذا هو الزواج.»
أفلتت مني ضحكة حادة متهكمة: «كذا تسمّونه عاد؟ أبوي باعني كأني بضاعة كاسدة، وعمّي لوّح لي مودّعاً كأني طالعة إجازة، وأنت شريتني عند المذبح... والمفروض مني أقول لك شكراً؟»
التفتَ.
بتمهل.
ألقت الإضاءة الجدارية الخافتة ظلالاً عميقة على نصف وجهه، تاركة النصف الآخر يبدو كأنه قُدّ من الحجر الداكن نفسه الذي صُنع منه ذلك السرير.
قال: «ما شريتك يا لوسيا.»
«صحيح... بس استلمت البضاعة.»
ارتفع طرف فمه بابتسامة طفيفة لم تكن تسلية ولا مرحاً؛ بل كانت مشبعة بجوع أعمق من ذلك بكثير.
خطا عبر الغرفة دون أي عجلة. كانت كل وطأة من قدمه على الرخام المصقول تحمل الثقل الهادئ لرجل يملك كل شبر يطؤه. ارتطم كتفي بعمود السرير قبل أن أدرك أصلاً أن قدمي كانتا تتراجعان إلى الوراء.
محاصرة بقطعة أثاث... يا للعار.
همس وهو يقف على بُعد بوصات مني: «ترجفين.»
«بردّانة.»
«تكذبين.»
«وإن كنت أكذب؟ ما يغيّر من الأمر شيء.»
ظلّ واقفاً في مكانه، يقتحم هوائي ومساحتي الخاصة. كانت تفوح منه رائحة خشب الأرز، ودخان سجائر عتيق، وزيت سلاح نقي يتوارى تحت طبقة فارهة من عطر العنبر. انزلقت عيناه من عينيّ إلى شفتيّ، متريثاً هناك بما يكفي ليهوي قلبي في قاع صدري.
إياكِ أن تنظري إليه. لا تشعري بأي شيء تجاه الرجل الذي لَفَظ قاتلُ أمي اسمه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.
قلتُ باستماتة لكسر الصمت المطبق: «كاتيا... حارسة البوابة صاحبة الندبة؛ رمقتني بنظرة.»
لم يطرف لملامحه جفن، بل رفع يده عوضاً عن ذلك. التقطت أصابعه الخشنة خصلة متمردة عند صدغي، وأزاحتها خلف أذني بعناية تثير الحنق.
قال دانتي: «كاتيا تناظر في الكل... هذا اللي أدفع لها عشانه.»
«أومأت لي برأسها.»
«صحيح؟»
«تدري زين إنها سوت كذا.»
«أدري عن أمور كثيرة يا لوسيا.» انزلق إبهامه بمحاذاة طرف أذني نزولاً إلى التجويف الناعم تحت فكي. احتبست الأنفاس في حلقي. «أدري إنك ما ذقتي لقمة عيش من الفجر، وأدري إن قبضتيك مشدودتان داخل تنورتك من يوم كنا في الكنيسة... وأدري بعد إنك حاسبة اثنتي عشرة خطوة بالضبط من الباب لين الشرفة.»
اثنتا عشرة خطوة. بالتمام والكمال.
همس وهو يقترب مسافة ضئيلة أخرى حتى لامس صدرُه صدري: «والحين... أدري إن كل تفكيرك في فخذك اليسرى، كل ما تنفّست قريب منك.»
سرى صقيع مفاجئ بين ضلوعي، تلته فوراً موجة لافحة من الحرارة.
قلتُ بحدة: «ما هو بصحيح.»
«عيونك توّها نزلت لتحت.»
«ما نزلت.»
«همم.»
انحنى حتى حامت شفتاه فوق خط فكي. لم يقبلني، بل أرسل أنفاسه الحارة فوق بشرتي الباردة فحسب. انتفض نبضي بقوة تحت إبهامه، فاضحاً كل كذبة نسجتها.
قال وصوته الأجش يداعب عنقي: «أقدر آخذه منك الحين، في هالثانية. أمد يدي تحت طبقات التول هذه كلها، وأقطع رباط الساق، ويكون النصل في كفي قبل ما تاخذين نَفَس ثانٍ.»
ابتلعتُ ريقي بصعوبة: «خذه أجل.»
«لا.»
«ليه؟»
«لأني أبيكِ تسلّمينه لي بيدكِ.»
رفعت كلتا يديّ ودفعته في صدره. كان الأمر أشبه بدفع جدار من خرسانة صلبة؛ لم يتزحزح قيد أنملة، بل وقف مكانه تاركاً راحتيّ تلتصقان بقميصه، جاعلاً إياي أحس بدقات قلبه البطيئة والراسخة، في حين كان قلبي يتخبط في صدري كطائر سجين.
بصقتُ في وجهه: «أنت مريض.»
«يمكن.» أطبقت يده على خاصرتي، وانغرست أصابعه بقوة نافذة عبر الساتان المبلل والتنانير السفلية الخشنة. «التفتي.»
«نعم؟!»
«التفتي يا لوسيا.»
«إلى الجحيم.»
«أنا فيه أصلاً... وأنتِ توّك واصلة.»
أمسك بكتفي وأدارني بحركة مباغتة قبل أن أتمكن من المقاومة. تحكّم بي بكل سهولة، موجهاً إياي نحو قضبان الشرفة الحديدية. طالعنا انعكاسنا في الزجاج الداكن: أنا بوجه شاحب وعينين تلتهبان غيظاً، في حرير ممزق ملطخ بالدماء؛ وهو خلفي بسواده الحالك، يده مثبتة بإحكام على انحناءة خصري.
بينما امتدت يده الأخرى نحو ظهر فستاني.
أربعون زرًا مكسوًا بالحرير كانت تمتد من مؤخرة عنقي حتى أسفل ظهري. تباهت خياطة عمتي بأنها ستصمد بوجه زلزال، لكن دانتي فكّ أولها بنقرة خاطفة من أصابعه، ثم الذي يليه.
لم يكن يمزقها؛ بل كان متأنيًا، متمهلًا، كمن يفضّ غلاف شيء دفع ثمنه كاملًا دون تردد.
«وقّف...» خرجت الكلمة مخنوقة من حلقي.
«قوليها وكانكِ تعنينها صدق.»
فتحتُ فمي، فما خرج منه صوت. سرى هواء بارد على امتداد عمودي الفقري مع انفراج الحرير، وحفّت مفاصل أصابعه بشرتي العارية، باعثةً قشعريرة عنيفة هزتني حتى أخمص قدميّ.
على زجاج النافذة، التقت عيناه الداكنتان بعينيّ. أحسّ بالارتجافة، وعرف تمامًا كنهها، وكرهتُه لأجل ذلك من كل قلبي.
تمتم قائلًا: «هذا اللي ظنيته.»
أدارني نحوه بقوة لأواجهه من جديد. كان صدر الفستان متدليًا ومفتوحًا، تاركًا المشدّ ذا الدعائم العظمية تحته ممسوكًا برباط أبيض وحيد عند ضلوعي. لم يخفض دانتي نظره، بل التقط طرف العروة دون أن ينظر إليها، ولفّ الشريط مرتين حول سبابته وجذبه بقوة حتى انشدّ تمامًا.
ارتطمت ضلوعي بمفاصل أصابعه، وبات وجهي على بعد إنشات قليلة من وجهه.
قال وصوته ينحدر إلى خشونة هادئة تقطر موتًا: «اسمعي وشلون بتمشي هالليلة يا زوجتي؛ مخبية نصل بارد تحت هالتنورة، وأنا قدامي الليل بطوله.»
انشدّ الرباط أكثر، غائرًا في لحمي.
قال دانتي: «انزعيه بيدك، ولاّ قطّعته من عليكِ.»