Chapter 4 · نقطة تفتيش منتصف الليل

«اقطعه عيل.»
خرج صوتي أكثر ثباتاً من ركبتيّ المرتجفتين.
كان دانتي فيرارا قريباً مني لدرجة أنني استنشقت أنفاسه؛ مزيجاً من خشب الأرز، والقهوة السوداء، وزيت السلاح البارد. لامس مفصل إصبعه عظم ترقوتي، بينما علقت سبابته في شريط مشدّ فستاني.
لم يتحرك.
ولا أنا.
كان الجناح غارقاً في صمت مطبق. عازل للصوت، هكذا أخبرني ونحن في المقعد الخلفي لسيارة التاون كار، وكأن ذلك القول كفيل بأن يجعلني أنام قريرة العين. أرضيات من الرخام الأسود. شبك حديدي مثبت بمسامير غليظة عبر زجاج الشرفة. ومصباح وحيد بجانب السرير يلقي بظلال حادة على وجنتيه البارزتين.
وتحت حرير زفافي بست بوصات، مشدوداً إلى فخذي اليسرى من الداخل، كان هناك خنجر ستيلتو بطول ست بوصات ينغرس في لحمي مع كل نفس أتنفسه.
لا يمكن أن يدري بأمره. مستحيل.
قال بصوت خافت، كأنه حصى خشن يُجرّ فوق المخمل: «تحسبيني أراوغ؟»
«أظنك قاعد تنتظر طول هالليلة الملعونة عشان تحط يدك على الضمانة.» رفعت ذقني لأتحدى تلك العينين الرماديتين بلون حجر الأردواز، وتابعت: «كمّل، سوّها. بس لا تحسب إني باسهلها عليك.»
اختلجت عضلة في فكه؛ لم تكن نفضة غضب، بل رجفة صياد يرى طريدته تندفع بنفسها نحو الشَّرَك.
فجذب الشريط.
مجرد بوصة واحدة، ببطء وتأنٍّ مدروس. كوى الحبل جلدي العاري كأنه جمرة أحرقت أضلاعي، قبل أن يرتخي صدر الفستان العاجي.
أطبقت ساعدي بسرعة على عظمة صدري قبل أن ينفرط المشدّ وينكشف المستور.
زحفت حرارة قانية حارقة إلى عنقي. تتبعها دانتي بعينيه على مهل، متعمداً أن يُشعرني بأنه يرصد كل ارتباك في أنفاسي.
تمتم قائلاً: «هذي هي.»
اهتز الهاتف المستقر على الكومودينو بجانب السرير.
مرة. ثم ثانية. ذبذبات قصيرة غاضبة ترنّ فوق سطح الرخام.
لم يرمش لدانتي جفن. وفجأة طقطق جهاز الاتصال الداخلي على الجدار معلناً عمله، وانبعث أزيز تشويش قبل أن يخرق الظلامَ صوتُ امرأةٍ مقتضب: «ريّس. نقطة التفتيش الجنوبية. الكاميرا رقم ثلاثة. لازم تشوف هذا الحين.»
ثبّت دانتي نظره في عيني لثانية إضافية؛ نظرة تحدٍّ صريح ووقح. ثم أفلت شريط الحرير وخطا نحو الشاشة المثبتة على الجدار بجانب البابين المزدوجين.
صرخ صوت في رأسي: *تحركي. مدّي يدكِ تحت التنورة. اسحبي الخنجر.*
لكن قدميّ ظلتا مسمّرتين على السجادة.
ونظرتُ إلى الشاشة بدلاً من ذلك.
كانت كشافات السيارات تشق الضباب الكثيف المتصاعد من النهر خارج بوابة القصر. سيارة سوبربان سوداء متوقفة ومحركها يدور، ودخان عادمها يتلوى في الصقيع الرطب. رجلان يقفان تحت مصابيح الحراسة الكهرمانية، وأكفهما مفرودة على غطاء المحرك.
الرجل الذي يقف على اليسار كان يرتدي معطفاً إيطالياً من صوف الجمل أحفظه عن ظهر قلب.
نيكو.
سائق عمي؛ الرجل الذي كان يدس لي حلوى الليمون وأنا في الثامنة من عمري، ويخبئني في الكراج حين كان أبي يثمل ويطيح بزجاجات الخمر ويرميها في ثورة غضبه.
هوى قلبي في قاع سحيق.
تحدث دانتي عبر جهاز الجدار: «كاتيا. وش يبون؟»
«يزعمون إن سلفاتوري هو اللي مرسلهم.» صمتت لبرهة ثقيلة مشحونة بالترقب، ثم أكملت: «يبون إثبات إن العروس باقية حية.»
انحبست أنفاسي في صدري بغصّة مريرة. إثبات؟ سلفاتوري نفسه زفّني في ممر الكاتدرائية قبل ست ساعات والدموع في عينيه، يقبّل يدي ويهمس لي بأنني أُنقذ العائلة من الدمار والهلاك.
والآن يقف رجاله المسلحون عند البوابة ليتأكدوا إن كنتُ جثة هامدة.
أمر دانتي بصرامة: «حوّلي لاقط البوابة على الخط هنا. خليهم يسمعون صوتي.»
«لحظة!» خرجت الكلمة من فمي رغماً عني قبل أن أستطيع كبحها.
التفت دانتي برأسه فقط، ونظرته باردة متفحصة تحسب كل حركة.
كنت أقف هناك كالحمقاء، متشبثة بنصف فستان زفافي المفتوح إلى صدري، وقد أطلقت أمراً لتوي في وجه الكابو الذي يحكم نصف شيكاغو.
قلت وخفضت نبرتي: «لا تسويها. لا تقول لهم ولا كلمة.»
عقد حاجبيه: «ليش؟»
«لأنه ما يدور يتأكد إني حية.» غمر طعم النحاس لساني؛ تذوقت دمي من شفتي التي عضضتها حتى أدميتها وقت أداء النذور: «يبي يشوف هل أخذتني لفراشك أو لا. لو لمستني، يظل الحلف قائم. ولو تركتني بحالي، تكون أنت اللي نكثت العهد أولاً... وساعتها يلقى له عذر يكسر الخط ويهجم.»
لم يرمش لدانتي طرف: «يكسر الخط؟»
همست له: «يبي الحرب ترجع تشب من جديد. يبي الدم يسيل على عشب حديقتك الليلة. لو فتحت له اللاسلكي، بتكون عطيته الضوء الأخضر.»
امتد الصمت بيننا ثقيلاً كحد السيف، وكأن الهواء أوشك أن ينفد من الغرفة. حدّق دانتي بي—نظرة حقيقية نافذة—وكأنه يقشر جلدي ليرى كيف تدور التروس في أعماقي.
قال: «بنت ذكية.»
«لا تستغرب.»
«ماني بمستغرب.» مد يده وضغط بإبهامه على زر جهاز الاتصال: «كاتيا. قولي لهم نايمة في فراشي. قولي لهم الفراش انصبغ، والصفقة تمت، وإن كان سلفاتوري يبي يشوف زوجتي، يجي ومعه جيش كامل يطلبها.»
«أبشر يا ريّس.»
طقطقت الشاشة وعاد إليها السواد.
كانت أضلاعي تؤلمني حيث أقبض على قماش الفستان بإحكام. ولجزء من خفقة قلب، اشتعل إحساس ساذج وضعيف في صدري؛ إحساس بالارتياح، وكأن هذا القاتل قد وقف بالفعل حائلاً بيني وبين ذئاب عمي.
ثم التفت دانتي نحوي، فاختنق ذلك الارتياح ومات في لحظتها.
قال وهو يخطو خطوة إلى الوراء باتجاه السرير: «فزّيتي يوم شفتي معطف الصوف على الشاشة.»
«أعرفه، ما غيره.»
«هذا تابع عمك المطيع. طرى على بالك تركضين وتلتجئين له.»
«ما فكرت—»
«لا تكذبين عليّ يا عروستي الصغيرة.» لم يكن في عجلة من أمره، بل كان يتهادى في مشيته كذئب يفرض سطوته على أرضه: «خمسة أميال من الضباب برا، ومن أول ما لمحتِ راية من رايات موريتي، تبين تزحفين راجعة للقفص.»
«هذاك ماهو ببيتي!» صرخت الكلمات من جوفي حادة وممزقة: «أنا ما عاد عندي بيت! عائلتك حرقته وسوّته بالتراب قبل ثلاث سنين!»
توقف دانتي في مكانه.
خيّم الصمت المطبق على الغرفة من جديد. ظلّ اسم أمي معلّقاً بيننا دون أن يُنطق، ساماً كغاز خانق. *أوامرك أنت. رجالك أنت.* قضيتُ 6 أشهر وأنا أتخيّل هذه اللحظة تحديداً؛ أن أقولها ونصلٌ فولاذي بطول 3 بوصات يضغط تحت خط فكّه، لا وأنا شبه عارية أنتفض كورقة شجر في مهبّ الريح.
انحدرت نظراته إلى الأسفل.
لم تكن نحو استدارة كتفي المكشوف.
بل صوب فخذي الأيسر مباشرةً.
تصبّب عرقٌ بارد على طول عمودي الفقري.
«دانتي».
«همم؟»
«لا تسوّيها».
قال بنبرة هادئة تبعث على الرعب: «من لحظة ما دخلتِ من ذاك الباب وثقلكِ كله على كعبكِ الأيمن... تحامين عن رجلكِ اليسار وتدارينها.»
كان يدري.
استدار بسلاسة نحو طاولة السرير الجانبية، وسحب الدرج الثقيل ليفتحه، ثم أخرج منه غرضين.
مسدس «غلوك» بلون أسود مطفأ.
ومفتاحاً نحاسياً صغيراً وثقيلاً.
لم يكن في عجلة من أمره، بل تقدّم نحوي مباشرةً حاملاً الاثنين معاً.
تراجعتُ خطوةً إلى الوراء، فاصطدم الإطار الرخامي الأسود للسرير بخلف ركبتيّ، ليحبسني مكاني وقد تجمّدتُ تماماً.
وقبل أن أتمكّن من إفلات ثوبي والوصول إلى الغمد المثبّت في رباط الساق، انطلقت يده كالبرق. أطبقت أصابعه على معصمي الأيسر كأصفاد من حديد، ولوى ذراعي للخارج قالباً باطن كفّي إلى أعلى، ثم صفع المفتاح النحاسي في راحتي بقوة جعلت جلدي يلذعني.
ثم رفع الفولاذ.
وانغرست فوهة «الغلوك» الباردة بين أضلعي. بقوة. مباشرةً فوق الحرير وعيدان المشد، في الموضع الذي كان فيه قلبي يدقّ بجنون.
انحنى نحوي حتى لامست شفتاه طرف أذني، وأنفاسه اللاهبة تلفح جلدي البارد.
همس، والمعدن يغوص أكثر في عظم صدري: «هذا المفتاح يفتح بوابة الشرفة الخارجية. وورا ذيك القضبان، فيه نزلة 40 قدماً على كاسر أمواج مسنّن، وبعدها مياه البحيرة المتجمدة... الحرارة 34 درجة الليلة.»
انطبقت أصابعي على المفتاح، وكان نحاسه لا يزال دافئاً بحرارة كفّيه.
همس دانتي، وإبهامه ينقر زر أمان «الغلوك» ليحرره: «افتحي القفل واهربي يا قاتلة... وخلّنا نشوف لوين بتوصلين سباحة.»