Chapter 5 · اثبت دون حراك

كان المفتاح لا يزال دافئاً من أثر جيبه، يضغط على باطن كفي كأنه تحذير.
وظلت فوهة مسدسه الغلوك مغروسة بين أضلاعي عبر قماش الدانتيل، ملاصقة تماماً للموضع الذي يضطرب فيه قلبي بجنون.
تمتم دانتي فيرارا: «هيّا... افتحيه.»
نطقها ببرود، كأنه يطلب ولاعة سجائر.
حدقت في القضبان الحديدية السوداء المثبتة من الأرضية إلى السقف في الرخام. خلفها كانت الشرفة، وما بعدها لم يكن سوى ضباب رمادي، وصخور مدببة، ومياه سوداء تلطم الجروف في الأسفل بعنف.
«أهرب لوين؟» خرج صوتي واهياً، وكرهت كم بدا ضئيلاً. «حنا بجزيرة يا دانتي.»
«اسبحي.» أمال رأسه وعيناه معتمتان ميتتان. «أنتِ من آل موريتي، مو أنتم اللي تتباهون بقدرتكم على الاختفاء؟»
كان فستاني يزن 40 رطلاً. وقبل 8 ساعات، كنت جاثية أمام المذبح بينما قايض بي والدي بإيماءة رأس. والآن، ها أنا حبيسة في غرفة نوم بنتهاوس مع قاتل يملك اسمي، وسريري، والهواء الذي أتنفسه في صدري.
لم أتحرك.
سألني: «خايفة؟»
«أفكر.»
«في إيش؟»
«ليش زوجي الجديد يبيني أنط من بلكونته بليلة عرسنا.»
لمع بريق مظلم في عينيه، واقترب خطوة دون أن يرتعش مسدسه قيد أنملة. التصق صدره بي على بُعد إنشات معدودة، باعثاً حرارة خانقة تكتم الأنفاس، وتفوح منه رائحة خشب الأرز، ودخان التبغ، وزيت السلاح.
قال بصوت خافت: «ما أبيكِ تنطين، أبي أشوف وش تسوين لا حطيت بيدكِ باب.»
اختبار. دائمًا اختبار.
حشرت المفتاح في القفل بعنف. كانت يداي ترتجفان، لكني أرغمت المزلاج الحديدي الثقيل على التراجع، فانزلق بطرقعة قاسية صدعت صمت الغرفة.
انفتحت البوابة على مصراعيها.
لفحت الريح الجليدية كتفيّ العاريتين كأنها ماء مثلج. خفقت طرحتي خلفي بعنف، كادت تقتلع الدبابيس المغروسة في فروة رأسي.
مشيت نحو الحافة. كانت الأرضية الحجرية تلسع برداً يقطع حذائي الحريري. وعلى بعد 10 أقدام أمامي، كان الحاجز يشرف مباشرة على الهاوية، وتحت في القاع، كانت الأمواج تتكسر كطلقات الرصاص، مرة تلو الأخرى.
وقفت هناك، أعد دقات قلبي.
«ها؟» دوى صوته عند أذني قبل حتى أن أسمع وقع خطواته. «البحيرة تنتظرك يا قاتلتي الصغيرة.»
«لا تناديني كذا.»
«ليش؟ لايق عليكِ.»
«ما قتلت أحد.»
«للحين.»
التفتُ نحوه بحركة خاطفة، فإذا به ملاصق لي تماماً. كان المسدس مدلى بمحاذاة فخذه، ونظراته تتفحص شفتيّ وعنقي، تقرأ كل اختلاجة في حلقي.
نبستُ بحدة: «لو كنت أبي أنحاش، ما انتظرت إذنك.»
«أكيد لا.» تحركت عضلة قاسية في فكه. «كنتِ بتنتظرين لين أنام، لين أعطيكِ ظهري، وبعدها بتضربيني بأي مصيبة هربتيها لهالبيت.»
اضطرب نبضي.
«رجالك فتشوني مرتين قبل الكنيسة؛ الجزمة، والفستان، وملابسي الداخلية. ما معي شي.»
«فتشوا شنطتك بس.» تقدم نحوي بخطوة بطيئة ومدروسة، فاصطدم ظهري بالحاجز المتجمد. «زوجة إنزو تقول إنك قضيتِ 3 أسابيع حابسة نفسك بغرفتك تتعلمين الخياطة.»
«أحب الخياطة.»
«كسرتِ 3 إبر وطعنتِ إبهامك لين تقشّر بدون ما يطلع منك حس.» التوت شفتاه بابتسامة باردة حادة كالشفرة. «هذي مو عروس تتدرب على التطريز، هذي بنت تعوّد نفسها تتحمل الألم.»
كان يدري.
هوت معدتي كأنني أسقط في فراغ لا قاع له. اجتاحتني رغبة عارمة في الفرار، لكن لم يكن أمامي مهرب سوى الهاوية خلفي. والدي سلبني حريتي وباعني كشاة تُقاد للذبح، وأمي قُتلت مسمومة في نومها قبل 6 أشهر. وسأعرف من أمر بقتلها—حتى لو اضطررت لانتزاع الإجابة من حنجرة دانتي بسكين.
رفعت ذقني عنوة: «فكّر باللي تبيه يا دون فيرارا.»
«دانتي.» انخفض صوته درجة كاملة، خشناً وعميقاً: «انطقي اسمي.»
«نزّل السلاح، بموت من البرد.»
«أجل ادخلي جوا.»
وقبل أن أتحرك خطوة جانباً، أطبقت يده الطليقة على معصمي. كانت أصابعه حارقة كالجمر على جلدي، واستقر إبهامه فوق موضع نبضي المتسارع، يضغط بقوة تكفي ليشعر بكل خفقة مذعورة.
سحبني عائداً بي عبر البوابة. انصفق الباب الحديدي، وانغلق المزلاج.
أعاد المفتاح إلى جيبه، ودس مسدس الغلوك في جرابه أسفل ظهره دون أن يلتفت.
تراجعت نحو غرفة النوم وأنا أتنفس بصعوبة: «بس كذا؟ خلص الاختبار؟»
«هذا الأول بس.»
تقدم نحوي بخطوات وئيدة ثقيلة. صرخت كل غريزة بداخلي تطالبني بالفرار، لكن كعبي علق في حاشية الفستان الثقيلة. وحين وصل إلي، لم يمسك بخصري، بل مد يده مباشرة نحو رأسي.
أمرني: «اثبتي.»
«لا تلمسني—»
«اثبتي يا لوسيا.»
تخللت أصابعه الطويلة دانتيل طرحتي، باحثة عن المشط الثقيل المثبت عند تاج رأسي. حلّه بتأنٍ يحرق الأعصاب، فانهالت أمتار من التول الأبيض نحو الأرض، متراكمة حول أقدامنا كالشمع المذاب.
لامست مفاصل أصابعه شحمة أذني، فقشعر جلدي وعلت أنفاسي في صدري.
لاحظ ذلك وعيناه ترصدان النبض الخافق في عنقي: «ترجفين.»
«قلت لك، برد.»
«كلام فاضي.»
توغلت أصابعه أكثر في خصلات شعري، ينزع دبوساً تلو الآخر. لم يكن فظاً، وذلك بالتحديد ما جعل الأمر مرعباً؛ فقد كان يتأنى على مهل، يفكك تموجات شعري، بينما يمر إبهامه على التجويف الرقيق خلف فكي. وكانت أنفاسه تفوح بشيء داكن وحلو كالعتمة، تداعب شفتيّ المفرقتين.
كان الشريط الدانتيل الملتف حول المقبض مشبعاً بخلاصة الشوكران المجففة. خدش صغير واحد كان كافياً تماماً؛ احتكاك طفيف بجلده الدافئ، وسيسري السم في مجرى دمه خلال ثوانٍ معدودة.
همستُ بصوت يرتجف: «دانتي، خلاص وقف.»
«ليش؟ ترانا للحين ما بدينا.»
غاصت أصابعه في العقدة الكثيفة المثبتة عند مؤخرة عنقي.
وفجأة... تجمد مكانه.
ارتطمت مفاصل أصابعه للتوّ بشيءٍ رفيع صلب، وقارس البرودة، مدسوسٍ في أعماق جدائل شعري.
فولاذ.
ارتفعت عيناه لتلتقيا بعينيّ في ومضةٍ خاطفة، وانفرجت شفتاه عن ابتسامةٍ بطيئةٍ ضارية.