Chapter 1 · دعوى في صمت
تصلني القهوة آخِرةً. هكذا تنطق هذه الغرفة بما لا يُقال جهراً: تميل الدلّة، ويذهب الفنجان إلى الرجل الجالس عن يميني، وبما أنني الضيفة، فأنا أنتظر.
عبايتي مسدودة حتى الحلق، وشيلتي مثبّتة. وتحتها يداي معقودتان، وأنا أعدّ صبّات القهوة لألزم وجهي الهدوء.
المجلس يبتّ في أمري منذ الفنجان الثاني. عمي يتربع في صدر المجلس ولا يلتفت نحوي، واثنان من أبناء عمومته لا ينظران إلى سواي. والواجب رابض على الطاولة تحت صحن التمر، ولم يُسمّه أحدٌ بعد.
ثم يُفتح الباب، وتتبدل هيئة الجالسين في الغرفة قبل أن تتبدل أصواتهم.
يدخل سعود الدوسري؛ بثوبه الأبيض، وياقته المشدودة، بلا بشت، فهذا ليس بعرس وهو لم يأتِ ليتفرّج الناس عليه. يسلّم على صدر المجلس أولاً، ثم على الحاضرين. ولا يجلس في الموضع الذي تركوه له قرب الباب.
يجلس قبالتي ويضع مسبحته على ركبته، وحبة منها مستقرّة تحت إبهامه.
«سيّدتي». ثم ينطق اسمي بصوت خفيض: «مها».
يبدأ عمي بالحديث عن المقعد، فيرفع سعود المسبحة—بإصبع واحدة—فيسكت المجلس.
كانوا قد نقلوا فنجاني سلفاً؛ فبات مستقراً الآن عند طرف السجّاد، بعيداً عن الصينية، بجانب ركبته، حيث لا يوضع فنجان ضيفٍ قط.
يتناوله بيمينه، يديره مرّة واحدة، ثم يعيده إلى موضعه؛ على سجادة العائلة، بيننا، أمام الأسرتين كلتيهما.
يقول: «مقعدها معي. والواجب عليّ أنا اعتباراً من هذه الليلة».
ولمدة ثلاث صبّاتٍ من الصمت، لم يتحرّك أحد.
ظلت يد عمي معلقة في الهواء تشير إلى طرف المجلس القصي، حيث تفقد السجادة نقوشها قبل أن تبلغ الباب، وحيث يسند أصغر أبناء العمومة ظهورهم إلى الجدار. كان يريد حسم هذا الأمر قبل أن يعبر وفد آل الدوسري ذلك الباب، غير أن الباب كان أسرع منه.
يقول، وتسترخي يده ساقطة: «مكانها هناك. هي ضيفة في هذا البيت، والضيف يقعد حيث يجلسه أهل البيت».
صحن التمر يتوسط المسافة بيننا، ولا أحد يمدّ يده لتمرة.
أقول: «ضيفة». يخرج صوتي متزناً، وقد كلفني ذلك جهداً: «أنا في هذا المقعد منذ الصبّة الأولى يا عمي. وإن كان البيت قد بدّل رأيه في موضع إجلاس ضيوفه، فليقلها للضيف، لا للسجاد».
«ما أحد يطردكِ».
أميل برأسي: «صحيح. إنما تنقلونني فقط، وأمام الناس الذين أردتم حسم الأمر قبل وصولهم».
ينشغل أحد أبناء العمومة فجأة بحبة مسبحته.
يلتفت عمي إلى سعود، وتغشاه المجاملة، وتلك أشدّ نكراً من الغضب: «يا سعود، المقعد ليس لي حتى أعطيه».
«إذاً لا تعطه».
«هي تحت سقفي إلى أن يُقضى الأمر».
يقول سعود: «الأمر ليس تحت سقفك، بل تحت صحن التمر هذا، وهو رابض هناك منذ ما قبل أن يرسلوني إليك. وطوال الأمسية، لم يجرؤ أحدكم على تناوله».
يشتد فك عمي بحركة خاطفة.
يقول عمي: «العوائل أرسلوك لأجل المقعد؛ فخذه أو دعه».
«أتيت لأرى ما تعرضه العوائل». ينظر سعود إليّ حينها مباشرةً، للمرة الأولى منذ جلس. لم يطل النظر إلى وجهي، بل نظر إلى يدي المعقودتين الساكنتين: «وقد رأيت».
يرفع أصابعه عن الفنجان.
«يا سيدتي، القهوة بردت، لا تشربيها».
لا أجيبه؛ فليس في عبارته ما يستدعي جواباً.
يقف، ويجمع حبات المسبحة حبة حبة ثم يضعها في جيبه. يسلّم على صدر المجلس، ثم على بقية الحضور، بالترتيب ذاته الذي دخل به. وعند الباب لا يلتفت لينظر إليّ، بل ينظر إلى الفنجان.
يخرج الوفد وراءه، ويستغرق الباب وقتاً طويلاً كي يُغلق.
لم يحرّك الخدم الفنجان، ولم أحركه أنا أيضاً. ظل مستقراً على سجادة العائلة طوال الأمسية، بين ركبتي والمكان الشاغر قبالتي، وكل رجل في ذلك المجلس كان يتفاداه في ممشاه ويدور من حوله.
لم يُسمّ أحدٌ الواجب، لكنه سُمّي على كل حال.