Chapter 2 · خاتمٌ لم يُغسل
ظلّ أثر القهوة الباردة على السجّاد ليلتين كاملتين.
في الليلة الأولى، دخلت فتاة بقطعة قماش وإناء، وجثت عند حافتها ومسحت السجّاد حتى بلغت حدود البقعة تماماً ثم توقفت عندها كأنما ارتفع جدار في نسيج الصوف، ثم طوت الخرقة وحملتها وخرجت. لم يقل لها أحدٌ أن تتوقف، ولم يقل لها أحدٌ أي شيء على الإطلاق. هكذا يغدو كل أمر في هذا البيت ما إن يجهر به رجل بيده مسبحة ثم ينصرف: لا يُغسل، ولا يُسمّى.
وفي الليلة الثانية، عاد الوفد.
علمتُ بالأمر منذ وقت الظهيرة؛ إذ أُخرجت الدلّة الفاخرة من الخزانة، ومُلئت المبخرة، وأُنزل بشت عمي من على الرف في يوم من أيام الأسبوع، وهو أمرٌ لا يُقدم عليه هذا البيت من فراغ. فحين يُخرج بيتٌ بشته في يوم ثلاثاء، فهو يعلم أن الأنظار ستتوجه إليه.
جلستُ في الموضع نفسه الذي جلستُ فيه أول مرة؛ عباءتي مزمومة حتى نحري، وطرحتي فوق شعري، والجدار يسند ظهري. فمكان الضيف مسندٌ إلى الجدار. كان الجدار نصيبي منذ الأسبوع الذي وصلتُ فيه، ولم أنبس بحرفٍ حياله، وما كان ذلك عن رضى مني، بل إن الضيف شخصٌ يملك أهل البيت أن يُسندوه إلى الجصّ ويظلّ بوسعهم أن يدّعوا إكرامه.
دخل الرجال من فناء الدار مثنى مثنى، وأخذ كلٌّ منهم مجلسه بحسب مقامه وقدره، ونهض من في المجلس واقفين.
ودخل سعود الدوسري من الباب بثوبٍ أبيض، وياقة صلبة، وبدت ثنيات مقدمته كأنها من ركوب سيارة لا من جلوس على كرسي. سلّم، ثم لم يخطُ خطوة واحدة.
المجلس بهذا الاتساع عبارة عن جملة واحدة طويلة تدور حول من يجلس وأين يجلس، وصدر المجلس هو ختام تلك الجملة. يدخل الرجل، ويجتاز السجّاد، ويسلّم على الصدر من مسافة قريبة تكفي لكي يُجلسه صاحب الصدر إلى جواره. أما سعود الدوسري، فتوقف بعد أربع خطوات فقط، عند الحافة القريبة من السجّادة الوسطى، وسلّم على الصدر من موضعه ذاك.
كانت الوقفة بمقدار نفَسٍ واحد. ثم ردّ عليه الصدر، وتبعه المجلس برمّته بصوتٍ واحدٍ علت نبرته شيئاً يسيراً فوق المعتاد.
ظل واقفاً على قدميه، يداه إلى جنبيه، ولم يتقدم.
قال عمي من صدر المجلس: «يا سعود، بعيدٌ أنت عني الليلة».
«أنا في موضعٍ أرى منه كل شيء، يا أستاذ».
«لك مقعدٌ عن يميني».
«إذن سيبقى مكانه حتى أبتغيه».
استوعب المجلس قوله ذاك ولم يستسغه، فقد كان رفضين اثنين في رداءٍ واحد. فالرجل الذي يأتي لأخذ الضيفة كان ليُخرجها من الباب في عشر دقائق ويوقّع الأوراق قبل أن تبرد الدلّة. والرجل الذي يأتي لتسوية الواجب كان ليمشي حتى الصدر ويسوّيه من فوق المتكآت، وتكون ركبته على سجّادة العائلة واسمه في أسفل الصفحة. لكنه لم يفعل أياً من الأمرين؛ بل وقف في مكانٍ لا يملك المجلس بأسره إلا أن يرمقه فيه، ولم يدع لهم ما ينظرون إليه سوى ظهرٍ مستقيم وثوبٍ مزرور حتى الياقة.
مرّ الخادم على الصف حاملاً الدلّة، يرفعها عالياً ويصبّ رشفة في كل فنجان، والتمر يطوف على الصينية بجواره.
وضع إصبعين فوق فوهة فنجانه وقال: «بس».
انقطع الصبّ ومضى الخادم متجاوزاً إياه.
رأيتُ الرجال يردّون القهوة في هذا البيت مرةً واحدة فقط من قبل، وكان ذلك في عزاء، واحتاج المجلس حينها دقيقة كاملة ليتذكر الحاضرون كيف يتكلمون. أما الليلة فلم يستغرق الأمر سوى لحظات، لأنه كان قد قدّم الرفض الأول عند السجّاد، ولم يأتِ الرفض الثاني إلا مؤكداً لما بدأه الأول.
أرجع رجلٌ يجلس قريباً من الصدر ظهره إلى وسادته وقال، بتلك النبرة الرقيقة التي يستعملها الرجال حين يطلبون أعزّ ما يبتغون: «الأوراق في الغرفة الأخرى، متى ما فرغت من وقوفك».
فقال سعود الدوسري: «لقد انتظرت ثلاثة أشهر، ولن يضرّها انتظار القهوة».
انبعثت من أحدهم ضحكةٌ مقتضبة، نبرةٌ واحدة ثم انقطعت.
ثم عاد الصوت الرقيق نفسه، من الوسادة ذاتها، ليقول إن الضيفة قد تفضل الدخول إلى الداخل ريثما يتحدث الأهل. قيلت بنعومة، بالطريقة نفسها التي يمسك بها رجلٌ باباً مفتوحاً وقد حسم أمره بأنك ستعبر منه لا محالة.
ولم يلتفت سعود الدوسري برأسه.
بل قال: «الضيفة جالسة».
ولأن قوله لم يكن ادعاءً يحتمل الجدال، لم يجد أحدٌ في المجلس ما يردّ به؛ فالمرء بوسعه أن يجادل في زعمٍ يُقال، لكنه لا يستطيع الجدال في وصف واقع.
لم أتحرك. لو أنني نهضتُ في ذلك المجلس الليلة لكنتُ سأظل أنهض بقية عمري؛ عند كل باب، وفي كل غرفة، كلما قال لي رجل بلطفٍ إنني قد أفضّل أن أكون في مكان آخر. لذا أبقيتُ ظهري مسنداً إلى الجص، ويديّ في حجري، وعينيّ على منتصف السجّاد، وتركتُ الصمت يمضي في شأنه.
لم يأخذ الفنجان قط. ودارت المبخرة مع انتصاف الأمسية، فرفع كل رجلٍ في الصف يداً وجذب الدخان نحو ياقته، أما سعود الدوسري فتركها تمرّ متجاوزةً إياه دون حراك. عودٌ وشيءٌ من ذلك الأريج الحاد الذي يحرقونه تحته. وقف وسط دخانه ولم يأخذ منه شيئاً.
كان لا يزال واقفاً حين شرع الوفد يجمع أوراقه. لم يُوقَّع شيء، ولم يُنطق بحرفٍ يحمل صيغة وعد، ومع ذلك فقد أمضى المجلس ساعة كاملة يرتب حاله حول رجلٍ ينتصب على قدميه، وسيعود كل رجلٍ منهم إلى بيته ليصف ترتيب الجلوس، ففي هذه المدينة ترتيب المجالس هو الخبر كله.
وعند الباب، فعل ما كان قد فعله في الليلة الأولى؛ حيّا الصدر، ثم حيّا المجلس بالترتيب نفسه الذي دخل به، وخرج، وخرج الوفد معه.
واستغرق الباب وقتاً طويلاً قبل أن يُغلق.
وظلت البقعة على السجّاد، وقد انضغط وبره الآن حيث وقف طوال المساء. لم يغسلها أحد، ولم يُسمِّها أحد. لم يجلس ولا مرة واحدة، ولم يلتفت إليّ على الإطلاق.