رجوع

مقعدك معي

0%

Chapter 3 · الدفتر الأخضر

مقعدك معي Chapter 3

أخرجوا الدفتر في الأمسية الثالثة، فتحرّكت جلسة المجلس من حوله حتى قبل أن يُفَكّ إبزيمه الجلدي.

كان مجلداً ضخماً ثقيلاً، كُسي بقماش أخضر داكن رقّت حواشيه وشحب لونها عند الزوايا حيث تداولته أيدي ثلاثين عاماً من رجال نجد فتحاً وإغلاقاً. حمله عمي بنفسه ودخل به، وتلك بحدّ ذاتها إشارة أبلغ عند الحاضرين من كل ما خطّه الحبر. وضعه منبسطاً على الطاولة المنخفضة ذات الحواف النحاسية بين الفناجيل، فتراجع صباب القهوة بدلّته إلى عتمة الخلف وظل ساكناً لا يتحرّك.

كان الوفد قد انصرف قبل صلاة العشاء. ولم يبقَ في المجلس سوى أصحاب البيتين، وامتداد السجاد القرمزي، وذلك الموضع من الصوف الذي لا يزال غائراً حيث وقف رجلٌ طوال الأمسية السابقة دون أن يجلس.

فتح عمي السجلّ. أماله بزاوية تتيح للرجال المتكئين على المراكي أن يروا السطور المسطّرة؛ تاريخ خُطّ بيد، واسم بيت بيد أخرى، والتزام صارم لا يقبل التراجع بيد ثالثة—ثم سحبه نحوه وبسط كفّه العريضة فوق الورق الجاف.

«اثنان وعشرون عاماً»، قال عمي بنبرة باردة خالية من التردد، تحمل ثقل كبير البيت الذي لا يتوقع أن يرده أحد، «كان أبوك جالساً في هذه الغرفة بالذات الليلة التي كان الحبر فيها ما يزال رطباً، وسيقول لك الكلام نفسه.»

لم يُعرض على سعود فنجان، ولم يطلب هو ذلك. كان واقفاً عند طرف السجّاد حيث يلتقي الرخام بالصوف، وقد ترك نعليه مرتبين عند العتبة كأي رجل يعرف الأصول. نظر إلى الصفحة المفتوحة من موضعه ذاك، يقرأ السجلّ كما يقرأ مهندسٌ مخططاً سبق له أن فككه قطعة قطعة.

«مكتوب ومسجّل»، أجاب سعود بصوت هادئ متزن مجرد من أي أثر للمهابة: «وما يحتاج أبوي يتكلم في أمرٍ بتّ فيه الحبر وخَلَص.»

«أجل تعرف وش يقتضيه، وتعرف شرف من اللي شايله.» أغلق عمي السجل. كانت الصفقة الخافتة لارتطام غلافيه الثقيلين هي الصوت الذي حبس المجلس أنفاسه انتظاراً له. «ما تقعد تحت سقفي وهذا الحساب باقي مفتوح. خذها وتوكّل. السيارة عند بوابة الحوش، والسائق عنده أمره، وما فيه كبير في الرياض بيقول إنك تعديت حقك.»

عدّل الحاضرون في المجلس قعداتهم بحذر معتاد. وضع رجلان قرب قوس الجص المنقوش فنجانيهما جانباً لتفرغ أكفهما. ونقل ابن عمّ قرب العتبة الخارجية ثقله من قدم إلى أخرى، متهيئاً للشهادة على إخراج امرأة من البيت.

لم يتحرك سعود قيد أنملة.

«القيد مقفل»، قال سعود.

«والحساب باقي ما تسدّد.»

«تسدّد في الربيع، ومسجّل بخط يدك بعد ثلاث صفحات»، قال سعود وسخريته الباردة تشق الصمت شقاً نافذاً، «فإما إن هالدفتر باطل يا أستاذ، أو إن هالبيت حابس التزام مستوفى من قبل ما أطلع رخصة قيادة، وجالس يطالب ضيفه بفوائد على غبار قد ركد وتلاشى.»

شدّت أصابع عمي على القماش الأخضر: «صغر سنّك يخليك تحسب التوقيع القديم تصفية للحساب.»

«وكِبَر سنّك يعلّمك أي الحقين يلزم المجلس يوفيه.»

لم ينطق رجل، ولم يجرؤ أحد على الابتسام. ركد الهواء ثقيلاً بعبق بخور معتّق أخذ يبرد، وتوارى تحته دخان العود الحاد العالق في ثوب سعود الأبيض. جلستُ متصلبة الظهر إلى المساند، ويداي مطويتان في سكون فوق حرير عبايتي الثقيل، وقد انحسر السواد مشدوداً عند معصميّ تماماً. لم أرفع ذقني لأستجدي نظرة في عيون أحد؛ فالنظر في مجلس شيوخ نوع من الاستعطاف، ولم يكن عندي ما أستجديه.

كنت ضيفة تحت سقف عمي، لا بنتاً يُؤمَر عليها، ولا عروساً تُسلَّم وفاءً لدين. ثمة حدّ غير مكتوب في عرف الرياض، وكان ذلك الحد هو المقعد الذي خُصّص لي أمام العائلتين في الليلة الأولى.

«تبغى مكانها يفضى؟» قال سعود وعيناه الداكنتان لا تفارقان وجه عمي، «افضِه بلسانك، في هالمجلس، وقدام البيتين. لا تأمر يدي تسوّي اللي يعجز كبرياؤك عن تمامه؛ ماني بمأمور تنفيذ في مجلسك.»

التفت عمي إليّ بنظره حينها. كان قد تفادى وجهي طوال الأمسية—وهكذا جرت العادة حين يساوم الرجال على وجود امرأة، فيتخاطبون من فوق رأسها كأنها أمانة تنتظر عند العتبة. والآن التقت عيناه بعيني، قاسية تطالب بالخضوع. قابلتُ نظرته بلا وجل، شاعرة بالسكينة الصامتة التي تستقر في النفس حين ينفد الخوف ويحترق آخره.

«الباب أنا اللي أطلع منه يا عمي»، قلتها بصوت هادئ وقعت كلماته واضحة في السكون، «إذا اخترت أنا أطلع منه.»

لم يكن ذلك تحدياً، بل كان حداً فاصلاً.

خطا سعود خطوة إلى الأمام، وانحنى ليتناول السجل من الطاولة المنخفضة. رفعه بيمينه، وأحكم إغلاق قفله المعدني فتكتك بنقرة جافة، ثم دسّ المجلد تحت إبطه كأنه مجرد أمانة جاء ليستلمها ويمضي.

«ناديتوني الليلة علشان أشيل شي من هالبيت»، قال سعود وهو يخاطب الحاضرين في المجلس برزانة وثبات لا تشوبهما شائبة، «وأنا باخذ هذا.»

سلّم على كبار القوم في صدر المجلس أولاً بما تقتضيه الأصول، ثم استدار نحو الباب بالترتيب المعتاد لخروجه. سحب القائم على المجلس باب الأرز الثقيل إلى الوراء قبل أن يبلغ سعود العتبة. انتعل نعليه وخرج إلى ليل الحوش، وارتدّ الباب مغلقاً وراءه بوقعة رصينة مكتومة.

لم تمسسني يد، ولم يجبرني رجل على النهوض. وفي الخارج، كان هدير محرك السيارة يدندن في صمت الليل، بانتظار أمرٍ لن يصدر.

مددتُ يدي ورفعت فنجالي. كانت القهوة قد فترت، وركد الهيل المطحون ثخيناً ومراً في قاعه، لكني رفعتها بيميني، وارتشفت منها الرشفة التي تفرضها الأصول، ثم أعدت الفنجان الصغير إلى سجاد العائلة دون أن ترتجف يدي.

لقد حمل الدَّيْن معه، وترك لي المقعد.

ومع ذلك، وأنا أجلس في خضم ذلك الصمت الثقيل الذي يعقب تحدي شاب لمن يكبره في عقر مجلسه، كنت أعلم ما ألقاه عليّ سعود الدوسري في حقيقة الأمر: درعاً على مرأى من الجميع، وحكايةً ستشرّحها مجالس الرياض كافة بحلول الفجر. امرأةٌ ذاد دوسريٌّ عن مكانها في حضرة عمّها.

في هذه المدينة، لا تجعل مثل هذه الحماية المرأةَ في مأمن؛ بل جلّ ما تفعله أنها تضمن أن أي ثمنٍ قادم، ستطالَب بدفعه كاملاً غير منقوص.

ظللتُ عاقدةً أصابعي في حجري، أنتظر انفضاض المجلس رسمياً، في حين لم يجد أحدٌ الكلمات المناسبة ليأذن لي بالانصراف.