رجوع

مكبّلة بالألفا الضاري

0%

Chapter 1 · أنياب في العاصفة الثلجية

ضربتني الشبكة الفضية قبل أن أسمع دويّ الرصاصة.

هبطت من كبد السماء البيضاء كأنها قذيفة أُلقيت من علٍ، واخترقت حوافها الحادة معطفي لتغرس في كتفي، فاشتعل الحرق ينهش لحمي حيّة. هذا ما تفعله الفضة؛ لا تكتفي بجرحك، بل تتجرعك تجرعاً.

سقطتُ في الثلج على بُعد 18 قدماً من سياج الحدود. ثمانية عشر قدماً فقط! قطعتُ 400 ميل على مدار سنتين من أجل هذه الأقدام الـ 18 الأخيرة.

مكبّلة بالألفا الضاري Chapter 1

كانت العاصفة الثلجية تعوي هائجة من كل صوب، ولم أكن أرى سوى بياض مطبق، ثم لاحت لي حذاءان. حذاءان أسودان يكسوهما الجليد، رُكزا قبالة وجهي بثبات، كأن صاحبهما يملك الليلة بطولها.

لم أكن بحاجة لأن أرفع رأسي؛ فجسدي كان يعلم الحقيقة قبل أن يرى. عامان من الهروب، فإذا بذاك الشيء الميت في صدري — الموضع الذي كانت تسكنه رابطة الرفيق — يستفيق فجأة، ينهش بمخالبه محاولاً الخروج.

"قومي."

ذاك الصوت. خفيض، محطم، تشوبه خشونة جارحة. فاين كايلين. ألفا فروستفيل. الرجل الذي وقف يوماً على جرف البتر أمام 300 ذئب، واستأصلني من روحه كأنني عَفَنٌ في لوح خشب.

بصقتُ دماً في الثلج وقلت: "ارمِ عليّ بالرصاص وخلّصني."

جلس القرفصاء. تمهّل في حركته، كما يفعل الرجال حين ترتجف أيديهم ولا يريدون لأحد أن يفطن لذلك. كان الثلج يعلو لحيته، وعيناه لم تعودا رماديتين؛ بل أحاطت بهما حمرة داكنة، والحدقتان غارقتان تماماً في الدم، وعندها سقط قلبي في قاع الجليد.

توحّش. لقد غلبه الوحش وفقد رشده تماماً.

دنا مني وتنشّقني كما يتنشق جائعٌ لم يذق زاداً منذ شهر، وصدرت عنه دمدمة لا تمتّ للبشر بصلة.

قال: "ها أنتِ ذي."

حاولتُ الزحف، فانقبضت الشبكة حولي أكثر. ومن خلفه، عبر ستائر البياض العاصف، عددتُ ستة أشباح أخرى تصعد الجرف.

"إياك تلمسني."

خرجت كلماتي أضعف مما أردت. كانت أسناني تصطك، والفضة تشوي لحم كتفي شياً، ورائحة دمي تزكم أنفي.

ابتسم فاين. لم تكن ابتسامة ودودة قط، بل من تلك التي يرتسم بها وجه الذئب قبيل أن يختار من أي موضع يبدأ بنهشك.

قال: "هربتِ."

"أنت الذي طردتني!"

"صحيح." ومسح بإبهامه الثلج المحاذي لوجنتي. لم يلمس بشرتي، بل وقف على حافتها تماماً، كأنه يغالب يده غلاباً. "وهربتِ برغم ذلك."

كدتُ أضحك، كدتُ فعلاً. فأي منطق سقيم هذا؟

قبل عامين، وقف على ذلك الجرف والقطيع كله يشهد. رفع معصمي تحت ضوء المشاعل ونطق بالعهد: *«أنا، فاين كايلين، ألفا فروستفيل، أبتر ما عقده القمر.»* ثم أخذ خنجراً طقسياً وجزّ العلامة من عنقي.

لم يكتفِ بكشطها، بل جزّها جزّاً. أمام صويحبات أمي، وأمام الفتيات اللاتي نشأتُ معهن.

لم يُشح أحدٌ بنظره. هذا أكثر ما أذكره؛ ثلاثمئة ذئب، ولم يطرف لأحدهم جفن أو يلتفت بعيداً.

ولم تمت الرابطة بهدوء أيضاً، بل كانت تشتعل؛ كل ليلة طوال عامين، وسمٌ وهمي كالجمر تحت فكي، كأن أحداً غرس قطعة معدنية ملتهبة في الندبة وثبّتها هناك.

وها هو الآن يجثو أمامي، يتنشقني كأنه يرتشف الماء بعد ظمأ دهر.

"يا ألفا."

صوت جديد، قريب وناعم كمقبض خنجر صقيل. كانت تلك الظلال قد لحقت بنا؛ ستة ذئاب بعتاد الشتاء، توزعوا في نصف حلقة، وحرصوا جميعاً على إبقاء مسافة نحو 10 أقدام تفصلهم عن قائدهم.

أزاح المتقدم فيهم قلنسوته عن رأسه. إنه غاريك ثورن، البيتا. ذو شعر رملي، وأذنان لوّحهما الصقيع، وعينان بنيتان هادئتان لم أثق بهما يوماً قط.

قال غاريك: "يا ألفا، العاصفة تشتد وتقلب علينا، وما نقدر نشيلها عبر الممر في هذا الجو. اِقضِ عليها هنا وناخذ الجثة للشيوخ."

اِقضِ عليها.

خفق قلبي بعنف. نظرتُ إلى فاين، وتطلعتُ في الاحمرار الدامي في عينيه وقلتُ في نفسي: *حسناً، هنا المنتهى. سيفعلها بنفسه.*

لم يلتفت فاين.

"تراجع يا غاريك."

"طال عمرك، مع احترامي، لستَ في—"

"*قلت لك تراجع.*"

خرجت الزمجرة هادرة من صدره حتى أحسست بها ترتج في ضلوعي. جفلت صفوف غاريك بأكملها، بل إن اثنين من صغار الذئاب سقطا على ركبتيهما في الثلوج المتراكمة، وأمالا عنقيهما خضوعاً بلا وعي. هيبة الألفا؛ هيبة خام، جامحة، لا رادّ لها. اجتاحت الجرف كالموجة العاتية حتى انقطعت أنفاسي.

لم يركع غاريك، لكن فكّه اشتد، وشيء ما تحرك خلف ملامحه. وميض سريع، بارد، كرجل يجري حساباته في صمت.

ثم أومأ برأسه في أدب مبالغ فيه وقال: "سمّ، أمرك."

لم تفتني تلك النظرة؛ حفظتها في ذاكرتي، إن كُتب لي عمر لأستفيد منها.

مزق فاين الشبكة بمخلبين اثنين، دون أن يجرؤ ذئب واحد على الاقتراب. كان الفضة ما يزال يفحّ كالنار في معطفي، فكظمتُ صرختي وعضضتُ على شفتي. وضع ذراعاً تحت ركبتي والأخرى خلف ظهري ورفعني هكذا، كأني لا أزن شيئاً، كأن الأمر برمته لا يكلفه أدنى جهد.

كان صدره يتوقد كالتنور عبر الصوف المبتل. حرارة حمى مستعرة، حرارة مرض جارف.

"نزّلني!"

"لا."

"والله لأعضّك!"

قال، وصوته يتهدج ويتشقق في حلقه: "زيّن... جرّبي."

دفعته من كتفه بيدي السليمة، وكانت تلك غلطتي. استقرت راحتي على بشرته العارية فوق ياقته، فانطبق العالم كله في بياض خاطف.

لم يكن بياض الثلج، بل بياضاً في داخلي.

الموضع الميت في صدري *انقطع*. انقطع كما ينبتّ حبلٌ ظل مشدوداً عامين كاملين ثم أفلت منه العنان فجأة. تدفقت الحرارة في الندبة القديمة، واشتعل الوسم تحت فكي كعود ثقاب اشتعل للتو، وسمعتُ نفسي أُطلق صوتاً لم أعهده مني قط؛ خفيضاً... راغباً يتوسل الوصال.

وسمعه فاين أيضاً.

تصلب جسده بأكمله، وشدّ ذراعيه حولي حتى خلتُ أضلعي ستتحطم. غرس وجهه في شعري، وجذب نفساً عميقاً حتى ارتجف صدره منه.

قال: "سيرافينا." قالها كأنها دعاء... كأنها لعنة.

وساد الذئاب الستة خلفه صمتٌ مطبق كالموت.

وأنا كذلك. لأنني شعرتُ به؛ لنصف ثانية فقط، وعبر ذلك الباب المفتوح في صدري، شعرتُ *به هو*. ليس الألفا، ولا الوحش، بل كائن مسعور يتضوّر جوعاً، يرتطم بيأسٍ بقضبان قفصه.

لم يكن يطاردني.

كان يغرق، وكنتُ أنا الهواء الوحيد على امتداد مئة ميل.

لا. *كلا.* لم أعد أبالي، ولن أكون ترياقه، ولن أكون له أي شيء بعد اليوم.

"قطعتني وتخلّيتَ عني،" قلتها ودموع الغيظ الحارة تنهمر لتتجمّد فوراً على وجهي. "وقفتَ هناك وقطعتَ كل صلة بيننا، والحين وش تبغى... وشو؟ أرجع معك للبيت؟"

لم يُجب، بل واصل خطاه مبتعداً عن السياج، مبتعداً عن الأسلاك، صاعداً الجرف من جديد، وكانت كل خطوة تخطوها قدماه تُقصي الجنوب أبعد عن منالي. رأيتُ الأسلاك الشائكة تتضاءل وتغيب في البياض العاصف من وراء كتفه؛ 18 قدماً فقط، كان بوسعي أن أبصق عليها من مكاني هذا.

هدأت الريح لبرهة، وخفّ تساقط الثلج، ثم دنا فمه من مسمعي؛ حاراً، خشناً، وشعر لحيته يحتكّ بجلدي.

مرّت أنيابه على طول عنقي، فوق الندبة تماماً. لم تكن سوى لمسة بالكاد تُحسّ، لكنها كفت ليرتعد كل عصب في كياني ويتوسّل.

همس فاين: "سنتان وأنتِ متوارية عن الأنظار... بس عشان تموتين على سياجي؟"