Chapter 2 · حمى القفص

كانت أنيابه لا تزال عند عنقي. نَفَسٌ واحدٌ خاطئ وكان كفيلاً بأن يمزّقني إرباً.
ولم أمنحه ذلك النَفَس.
قلتُ بنبرة باردة خافتة: «ابعد عني». كانت الشباك الفضية تنهش أضلاعي، وتفوح منها رائحة شعر يحترق... وكان الشعر شعري.
قال فاين وهو ينفث أنفاسه على جلدي، بصوتٍ أجشّ كأنه يلوك الحصى: «سنتين... تواريتِ سنتين، وما لقيتي إلا سياجي تموتين عليه؟»
«اخترت المكان الوحيد اللي ما كان يخطر ببالك تدور فيه».
«غلطانة».
نزع الشبكة عني بجرّة واحدة، فاقتلعت الفضة معها شريطاً من جلدي. كظمتُ صرختي وعضضتُ على شفتي حتى ذقتُ طعم الدم.
ثم انزلقت ذراعه تحت ركبتي، ورفعني عن الأرض دفعةً واحدة.
«نزّلني!»
«لا».
«أقدر أمشي!»
«بل تقدرين تركضين». كان صدره كالتنور المشتعل وهو يلتصق بجنبي، يخترق صوف معطفي المتجمّد بدفءٍ جارف. في قلب عاصفة ثلجية، يستحيل أن يتوقّد جسدٌ بتلك الحرارة. ثم أردف: «شبعتُ من مطاردتك».
كنتُ أعرف تلك الحرارة جيداً... كان وراءها خطبٌ جلل.
كان الثلج ينهمر بزوايا مائلة عاتية. وتجمّعت الذئاب بدروعها السوداء حولنا، رؤوسهم مطرقة وعيونهم ترنو إلى كل صوبٍ عداي. لا أحد يودّ النظر إلى رفيقة الألفا المنبوذة، ولا أحد يجرؤ على التحديق فيما يحمله بين يديه.
أحسن، فليغضّوا أبصارهم إلى الأرض إذن.
أفلحتُ في تحرير إحدى يدي، وغرزتُ إبهامي في العصب القابع أسفل ترقوته. أيّ ذئبٍ بالغ كان ليُسقطني من فوره.
لكن فاين لم يطرف له جفن، بل شدّ قبضته عليّ حتى طقطقت أضلاعي.
قال بصوتٍ بالغ الهدوء شديد الوعيد: «إن عدتِ لمثلها... شلتكِ بذراعين مكسورتين».
صدّقتُ وعيده، فارعويتُ وسكنت.
ابتلعتنا القلعة؛ غرانيتٌ أسود، ومشاعل تضطرب داخل أقفاصٍ حديدية، ورائحة حجرٍ رطب ودماءٍ عتيقة. عبرتُ هذه الممرات وأنا صبية أتأبط ذراعه، حين كنتُ أظنّ أن الرابطة تعني بقاء المرء إلى الأبد. والآن بتّ أعدّ المنعطفات بحكم العادة، وأمقت نفسي لأنني ما زلت أحفظها.
مررنا بالدرج الهابط إلى زنازين «جذور الحديد». تنسمتُ رائحة الصدأ وبرادة الفضة من العتبة الأولى، فهوى قلبي في جوفي.
لكنه تجاوزه دون مبالاة.
سألتُه، وخرج صوتي أضعف مما أردت: «مو للزنازين؟»
«خاب ظنكِ؟»
«متفاجئة بس».
«لا تتفاجئين».
ولم يزد بحرف. تلك كانت خصلته الدائمة للأمانة؛ أمرٌ، فصمتٌ، فكدمة.
برز قوامٌ فارع من عتمة الرواق أمام ضوء المشاعل؛ كان غاريك ثورن، بيتا فاين. رشيق، مهندم، وعلى وجهه ابتسامة رجلٍ يحضر جنازة تحمّل نفقاتها بنفسه.
قال: «سيدي الألفا». ثم انزلقت عيناه نحوي، باردة وبطيئة: «أغلقت العاصفة كل البوابات؛ الممر الجنوبي، وطريق النهر، وكل المنافذ. لن يغادر أحد حتى تهدأ العاصفة». ثم سكت هنيهة واستطرد: «هل أتولى أمر هذه الهاربة؟ حبل المشنقة جاهز».
«لا».
«لكن يا سيدي، مع احترامي، الشيوخ سوف—»
«حكمها بيدي وحدي». انحدر صوت فاين إلى تلك النبرة العميقة التي تجعل أعتى الذئاب ينتفضون رعباً: «أبلغ المجلس أنها هاربة. والإعدام بأمري أنا... مو قبله، ولا على يد أحد غيري».
بقيت ابتسامة غاريك ثابتة. اتسع منخراه لبرهة، لمحة خاطفة، وتحولت نظرته إلى العروق السوداء التي تتسلّق عنق فاين.
رأيتها، ورآها غاريك أيضاً... وراق له ما رأى.
قال: «سمعاً وطاعة».
ثم عاد فاين يخطو من جديد، فوقف شعر ذراعيّ فزعاً.
كان لمخدع الألفا بابان. ركل فاين الباب الأول ليغلقه خلفنا، ثم أزاح المزلاج فوق الثاني دون أن ينزلني من بين يديه. صرير حديدٍ على حجر، ارتجّ في أذني كأنه باب زنزانة موصدة.
صفحتني الحرارة في الداخل كأنها جدار.
كان حطب الصنوبر يتأجج في الموقد بنارٍ عارمة تكفي لشيّ وعل. جلود الفراء تفترش الأرض وتغطي السرير، وستائر المخمل الأسود مسدلة بإحكام. كان الهواء مفعماً برائحة الدخان والعرق، ثقيلاً يكاد يُمضغ. وبدأت ثيابي المتجمدة تنفث بخاراً على جسدي، بينما وخزني جلدي وهو يذوب من صقيعه.
ألقى بي على حافة السرير. لم يكن رفيقاً، ولا غليظاً بالكامل، بل كأنه يضع غنيمة فاز بها للتو ولا يأمن مكرها.
انسلت سلسلة من عمود السرير؛ حديدٌ أسود بثخانة معصمي. وأطبق القيد حول كاحلي قبل أن أتمكن من ركله.
جذبتُ السلسلة بغيظ: «بالله عليك؟ تراني ماني بكلبة عندك!»
رد دون أن يرفع بصره: «صحيح، الكلاب تسمع الكلام».
«يا بن الـ—»
طقطقت جمرة في الموقد، فانتفض.
انتفاضة عنيفة هزت جسده كله، كأن صوت الطقطقة شقّه نصفين.
أدار ظهره ونزع معطفه بحنق، ثم لحق به قميصه الذي سحبه فوق رأسه وألقاه نحو الجدار. كان ظهره يتصبب عرقاً، وتحت وميض النار لاحت لي تضاريس ندوب قديمة، ورأيتُ أيضاً شيئاً يتحرك تحت جلده، كأن عموداً فقرياً ثانياً يصارع ليخرج عنوة.
أسند راحتيه على حافة الموقد، فطقطقت مفاصل أصابعه.
«فاين؟»
لا مجيب. كانت أنفاسه تخرج متقطعة متهدجة، ومنكباه يرتجفان.
كان حرياً بي أن أبلع لساني، وأن أتفرغ لإحصاء المخارج؛ الباب مرصود، والنافذة مسدودة، وقيدٌ يكبل ساقي. مخرجٌ يتيم، وهو ينتصب كالجبل أمامه.
لكنني كنتُ أعرف ذلك الصوت جيداً؛ سمعتُه ذات مرة من أبيه قبل سنين، في تلك الليلة التي سحلوا فيها الألفا العجوز إلى الثلج.
قلتُ بتؤدة: «هذه حُمّى الدم».
«اسكتي».
«من متى وأنت تعاني منها؟»
«قلتُ لكِ اسكتي!»
«لأنك إذا كنت تفقد عقلك وبتتوحش، فالأولى تقيّد نفسك مو تقيّدني أنا، يا—»
التفت نحوي.
كانت عيناه بلون الذهب؛ لا العنبر الداكن الذي عهدته، بل ذهباً مصهوراً ملتهباً، وبؤبؤان متسعان يبتلعان كل ما يقعان عليه. اختلجت عضلة في فكه، وسال العرق فوق صدره متجاوزاً الموضع الذي كان يُفترض أن تستقر فيه علامتي. شحتُ بوجهي عنه على عجل.
قطع الغرفة في ثلاث خطوات واسعة، فصلصلت السلسلة واشتدّ وثاقها.
انكمشتُ في الفراء إلى الوراء، ولم يتوقف حتى ارتطمت ركبته بحشية السرير بين ساقيّ.
همستُ برعب: «لا... تكفى يا فاين، لا».
خرجت كلماته كالزمجرة، خافتة ومتحشرجة: «ما سويت شي... واقف مكاني بس».
«قاعد تشمّ ريحتي».
«إي والله».
كان كذلك. لامس أنفه منابت شعري، ثم صدغي، ثم انزلق لأسفل على طول فكّي، وكل شبر لمسه تلهّب وشعرَتْ فيه نبضات كهربائية. كان جسدي يعرفه. وهذا أسوأ ما في الأمر. عامان، ورابطة مبتورة، ومئة ليلة قضيتها وأنا أُقنع نفسي بأنني انتهيت منه، ومع ذلك، كان قلبي لا يزال ينتفض له كحيوانٍ أليف.
كرهت ذلك. وكرهته هو. وكرهت تلك الرعشة الخائنة التي تسري في عمودي الفقري.
قلت بصوتٍ تخلله انكسار: "لقد رميتني بعيدًا.. أمام الجميع. استأصلتني وكأنني ورمٌ خبيث".
حبس أنفاسه عند عنقي.
انتظرت منه ردًا قاسيًا، أو سخريةً باردة، شيئًا يمكنني أن أكرهه بوضوحٍ تام.
لكنه لم ينطق بكلمة.
أسند جبينه على كتفي، وخفّ الارتجاف في جسده قليلًا، كقبضة يدٍ تتفتح أصابعها واحدة تلو الأخرى. هدأ تنفسه، وخفت بريق الذهبي في عينيه ليتحول إلى لونٍ أشبه بالكهرمان.
ثم انزلقت يده الحارقة لتقبض على خصري، وغرست أصابعه في قميصي المبلل وكأنه يخشى أن أتلاشى.
همس في جلدي بصوتٍ مبحوح: "لماذا... لا تزال رائحتكِ تهدئ وحشي؟"