Chapter 3 · الوتد المكسور

كانت يده لا تزال على خصري، حارّة كالميسم، حارّة بما يكفي لتحرق قميصي.
قال فاين، وصوته كالحصى الممتزج بالدخان: «جاوبيني... وش اللي يخلّي ريحتك تهدّيه؟»
«هو»؛ وكأن الوحش شخص ثالث يشاركنا الغرفة.
والحق يُقال، كان الأمر كذلك بالفعل.
رفعتُ ذقني متماسكة: «وش يدريني؟» واحتكّ القيد الحديدي في كاحلي بالحجر حين تحركت: «أنت اللي نبذتني وطردتني... اسأل نفسك».
تحركت أصابعه وشدّت قليلاً. لم تكن قبضة، بل أدهى وأمرّ؛ كمن يقبض على شيء يعلم أنه محرومٌ منه.
ولم ينبس بكلمة.
بالطبع لن يفعل. قبل سنتين، وقف على ذلك المذبح الملطخ بالدماء بمرأى القطيع كله، وقال دون أن يطرف له جفن: «أنا أرفضكِ». واليوم لا ألقى منه إلا الصمت؛ الفم البارد ذاته، والعينان الميتتان عينهما.
غير أن عينيه لم تكونا ميتتين؛ بل كانتا كالذهب المصهور، ولم تكفّا عن الانحدار نحو عنقي.
حكّتني علامتي القديمة تحت ياقة قميصي؛ حرقٌ كالشبح، يشتعل دائماً كلما دنا مني، وكان ذلك أكثر ما أمقته في الوجود.
فرقعت النار في الموقد؛ دخان الصنوبر، ورائحة العرق والجلد الحار... كانت الغرفة كالتنور. قميصي يلتصق بظهري، وجديلتي مبتلة بذوبان الثلج.
وفي باطن كُمّي الأيسر، حادة عند عظم معصمي، كانت تكمن ضربة حظي الوحيدة.
شظية مكسورة من الشبكة الفضية؛ انقصفت حين سحلوني، فدسستها في كفي بينما كان غاريك مشغولاً بابتسامته الساخرة. طولها 3 بوصات، وقد أحرقت خطاً نافطاً في جلدي، لكني لففت طرفها بقطعة من كمي.
الفضة تؤذي الذئاب، والكل يعلم ذلك.
وكان يمكن أن تفتح قفلاً أيضاً، لو كان لديّ متسع من الوقت.
ولم يكن لديّ وقت؛ ليس وأنفاسه تلفح عنقي.
انحنى فاين نحوي، ولامس أنفه زاوية فكي، فوق موضع نبضي مباشرة، واستنشق الهواء كغريق يطفو من قاع بحيرة.
سرت رعشة في جسده كله، أحسست بها في أضلاعي.
قلت له: «لا تفعل».
«اسكتي».
«فاين».
«قلت لك اسكتي». كادت شفتاه تلامسان بشرتي. كان جسده كله كقوس مشدودة، وكل عضلة فيه ترتجف من فرط مغالبته لنفسه: «تنفسي بس... خلّيني».
أخلّيه؟ وكأنني أدين له بشيء!
وكأن تلك الفتاة التي بكت حتى تقيأت في خندق قبل شتاءين تدين له بأي شيء في هذا العالم!
انفطر شيء في صدري وتأجج حرارة، ولم تكن شهوة... هكذا أقسمت لنفسي.
دسست الشظية في راحة يدي.
ارتفعت يده الأخرى وحضنت قفاي، وإبهامه يضغط أسفل أذني، فخارت ركبتاي... خائنتان؛ فجسدي ما زال يذكر، يذكر كل شيء.
فطعنته.
غرست الشظية في باطن ساعده، نافذةً من خلال كمه، ولويتها.
الفحيح الذي صدر عنه لم يكن بشرياً البتة. تصاعد الدخان من الجرح، ولفحتني رائحة لحم يحترق حتى كدت أتقيأ.
كان يُفترض به أن يفلتني؛ أي ذئب كان سيفلتني.
نظر فاين إلى ذراعه، ثم نظر إليّ.
قال، بنبرة هادئة وكأنه يتبادل حديثاً عادياً: «فضة».
واشتدت قبضته على رأسي.
نزعت الشظية بقوة فانقصفت، وظل نصفها غائراً في لحمه، شظية لامعة تبرق وسط الدماء. انزلقت يدي المبتلة وهي ترتعد.
قلت له: «اتركني... اتركني والله لأحط النصف الثاني في نحرك».
«ما راح تسوينها».
«جرّب وشوف».
«كان نحري قدامك». كشّر عن أنيابه، وكانت أطول من المعتاد: «هنا بالضبط، يدك كانت هنا... واخترتِ ذراعي».
مقتُّ في نفسي أنه على حق.
سحب القطعة المكسورة بإصبعين كأنها مجرد شوكة، ورماها في النار، فبصقت ألسنة اللهب لوناً أخضر.
سالت الدماء من معصمه وفوق مفاصل أصابعي. كان الجرح يحاول الالتئام بالفعل، وعروق سوداء تزحف مبتعدةً عنه. اتسعت حدقتاه حتى ابتلعتا اللون الذهبي، ثم ضاقتا من جديد.
كانت نوبة الحمى تعاوده، ورأيت ذلك بعينيّ.
«سيرافينا». خرج اسمي من فمه متهدجاً محطماً: «إن عودتيها، بقيد معاصمك معها».
«سوّها... زِدها على مجموعتك».
أصدر صوتاً خافتاً في صدره؛ نصفه ضحكة ونصفه زمجرة، ولم تكن مريحة أبداً.
ثم حملني.
هكذا ببساطة؛ ذراع تحت ركبتيّ وأخرى خلف ظهري، فارتفع حذائي عن الأرض. كشطت سلسلة القيد الحجر وهي تصرخ باحتكاكها، حتى استنفدت مداها وجذبت كاحلي بقوة.
لم يبالِ. خطا خطوة واحدة نحو السرير، فانشدّت السلسلة عن آخرها، فتوقف.
كان صدره يعلو ويهبط ملتصقاً بصدري، وكنت أشعر بنبضات قلبه تدقّ كقبضة تضرب باباً بقوة.
همس في شعري: «ما طلبت منك تسامحيني».
قلت له، وصوتي أضعف مما أردت: «أحسن... لأني ماني بمسامحتك».
«أحسن».
ولم يكن في نبرته ما يدل على أنه يرى ذلك حسناً.
أسند جبهته إلى جبهتي. وقفنا هناك في ذلك القيظ، نتنفس الهواء ذاته، ويدي الملطخة بالدماء مبسوطة على صدره. كان عليّ أن أدفعه، أن أركله، أن أفعل أياً من الأشياء التي أقسمتُ أن أفعلها في اللحظة التي أرى فيها وجهه مجدداً.
لكنني لم أتحرك.
مرّر إبهامه مرة واحدة على طول أضلاعي، ببطء، كأنه يحفظ تفاصيلي في ذاكرته.
همس: «قولي لي وقّف».
انفتح فمي.
فطقطق قفل باب الحجرة.
تصلب فاين في مكانه، وبدت الغرفة بأكملها وكأنها تجمدت.
انفرج الباب الثقيل بمقدار بوصة، بالكاد تكفي؛ فاندفع هواء بارد كالسكين وخبا لهب النار. وخلف الفتحة لم يكن هناك سوى ممر حالك السواد، وظل شخص يقف هناك ساكناً حتى كدتُ ألا ألحظه.
غاريك.
لم يخطُ نحو النور، بل جاء صوته من الظلمة، بارداً ويقطر كراهية.
بصق كلماته قائلاً: «إن خذيتها لفراشك، فالشيوخ بيعدّونك خاين الليلة!».