Chapter 4 · موقد الألفا

«إن أخذتَها إلى فراشك، وسمكَ الشيوخ الليلة بالخيانة!»
ارتطم صوت غاريك بجدران الحجر الأسود كأنه شظايا تتكسر. اشتدت قبضة فاين على ذراعي حتى خُيّل إليّ أن عظامي تكاد تطقطق تحت أصابعه.
لم يلتفت نحوه.
قال فاين بصوت خافت: «أعد ما قلتَ.» قاله بهدوء، وكان ذلك الهدوء أشد فتكاً من الصراخ.
خطا غاريك إلى دائرة ضوء المشعل عند أعلى درج الزنازين؛ بزته العسكرية نقية مهندمة، وخنجر بمقبض فضي يستقر في حزامه، وتعلو شفتيه ابتسامة طفيفة يحاول عبثاً إخفاءها.
«إنها ذئبة شاردة موسومة بالعار يا سيدي الألفا. والقانون يقضي بحبسها في الزنازين، ثم بحبل المشنقة.» انزلقت عيناه نحوي: «لا أن تنام على فرائك.»
كان معصماي لا يزالان داميَيْن ومسلخين من أثر الشبكة الفضية، وكل نبضة قلب ترسل وخزاً حارقاً في الحروق. كنتُ قد سُحبتُ وكُبّلتُ بالسلاسل ودُفعتُ على درجات السلالم قبلاً، ولم أكن لأقبل أن أكون عظمةً يتنازع عليها هذان الكلبان.
قلتُ: «تراني واقفة بينكما!»
لم يلتفت إليّ أي منهما.
قال فاين: «القانون... هو أنا.»
ارتجف المشعل بجوار غاريك، وانحنى لهيبه حتى استوى كأن ريحاً خفية نفخت فيه. أحسستُ بها أنا أيضاً؛ همهمة مكتومة ترتج تحت حذائي. إنها هالة فاين، تنبثق منه كوهج لافح يخرج من كير حدّاد.
كان يغلي حرارة. أحسستُ بذلك عبر قفازه، وعبر كم ثوبي. عروق سوداء كانت تزحف على جانب عنقه، وحبات العرق تسيل على فكه رغم أن برودة بئر الدرج كانت كفيلة بأن تجعل أنفاسي ضباباً متصاعداً.
قبل سنتين وقف على ذلك المذبح الملطخ بالدماء، بوجه من صخر أصم، واقتلعني من حياته دون رحمة. والآن، ها هي يده ترتجف فوق ذراعي.
كان عليلاً، علةً حقيقية بالغة. وكان يخفي ذلك عن غاريك.
قال فاين: «أخلِ الدرج الشرقي. لا يصعدنّ أحد، ولا يطرقنّ باباً. وإن أرادني الشيوخ، فلينتظروا ذوبان الجليد.»
رد غاريك: «الممر مغلق تماماً، والشيوخ يستشيطون غضباً بالفعل من—»
زمجرة فاين لم تكن تشبه صوت بشر؛ هديرٌ تموّج في جوف الحجارة وهزّ الحلقات الحديدية المثبتة في الجدران. تراجع غاريك خطوة إلى الوراء قبل أن يملك نفسه.
خير ما جرى. فليبتلع غيظه ويمت كمداً.
ثم جرني فاين صاعداً الدرج كأني كيس حبوب.
نهرتُه: «أقدر أمشي لحالي!»
«أجل أسرعي بخطاك.»
حاولتُ التملص والالتواء لأتحرر، فقبض على معصميّ المقيدين بيد واحدة وثبّتهما إلى صدري. خرج مني فحيح ألم؛ فالحديد المطلي بالفضة عضّ لحمي حتى بلغ العظم.
تراخت قبضته، قليلاً فحسب.
نظر إلى معصميّ، واشتد فكه متوتراً. عبر وجهَه تعبيرٌ مشوه شديد الغضب، لم يكن موجهاً إليّ.
«من شدّ عليكِ الشبكة بهذه القسوة؟»
قلتُ: «أنت. رجالك... وأوامرك.»
«أنا قلتُ حية.»
«الحيّ ما هو بالضرورة سليم يا فاين.»
لم يجب. اكتفى بتعديل قبضته ليستقر إبهامه على الجلد السليم الخالي من الحروق فوق القيد. كانت راحة يده لافحة كالجمر، وكان يُفترض أن أحسّ بها كوسم يكوي جسدي.
لكنها بَدَت كأول شيء دافئ ألمسه منذ عامين.
وكرهتُ نفسي لأجل ذلك.
صعدنا متجاوزين حارسين بدا لهما الجدار فجأة أمراً يسترعي كامل انتباههما. ومضينا عبر بهو طويل عُلّقت فيه رايات قديمة عليها شارات المخالب. ثم بمحاذاة نافذة كانت العاصفة الثلجية تلطم زجاجها بعنف جعل إطارها الخشبي يئن ويرتج.
لا مهرب. أطبقت العاصفة على القلعة كما تُطبق قبضة يد.
في نهاية البهو انتصب باب مصفح بأحزمة من حديد أسود. لم يطرق فاين الباب، بل دفعه بكتفه بقوة، وجرّني إلى الداخل، ثم ركله خلفنا ليغلقه.
لطمتني الحرارة في وجهي كأنها صفعة.
رائحة جمر الصنوبر، والصوف، والجلد، والدخان. وتحت ذلك كله، كانت تفوح رائحته هو: خشب أرز داكن وشيء بري هائج، كعاصفة توشك أن تنفجر.
نار هادرة تتأجج في موقد يتسع لشواء وعل ضخم. سجاد من الفراء يغطي الأرضية. وسرير هائل يستند إلى الجدار البعيد، كُوّمت فوقه الجلود والبطانيات السوداء الثقيلة. ومصاريع النافذة العالية تهتز مع كل عصفة ريح.
حرارةٌ تكفي لإنضاج لحم امرئ هنا.
أنزل فاين المزلاج الحديدي بعرض الباب بيد واحدة. ثم أخرج مفتاحاً من تحت ياقته، وأقفل الباب، وأعاده ليستقر فوق صدره.
انعقدت أمعائي رعباً.
رفعتُ معصميّ وقلتُ: «فكّ هذه... الحين.»
«لا.»
«تراني أدمّي لك سجادتك الفاخرة.»
«أجل اقعدي عند النار.»
«عساك للجحيم.»
كادت شَفتاه تفترّان عن ابتسامة، لكنها لاحت وتلاشت بلمح البصر حتى خلتني توهمتها. وفجأة انتفض جسده بأكمله؛ تماسك بعمود السرير، فابيضت مفاصل أصابعه من شدة الضغط، وراحت أنفاسه تتردد مجهدة بصعوبة.
أنّ الخشب تحت ثقل يده، وصدعٌ دقيق شقّ طريقه صاعداً في العمود المنحوت.
كان يجدر بي أن أفر نحو النافذة؛ هذا ما كانت لتفعله أي امرأة في كامل عقلها. غير أن الغرفة كانت صندوقاً موصداً، والعاصفة جداراً مصمتاً، وفاين ينتصب بيني وبين الباب.
لذا فعلتُ الشيء الوحيد الذي خطر ببالي: وقفتُ أراقبه.
تحولت عيناه من الرمادي إلى الذهب المصهور، واتسع بؤبؤاهما اتساعاً مخيفاً. كان قميصه ملتصقاً بظهره من العرق، ولم ينفك يحدق في نحري كأنه يطلب منه ثأراً أو ديناً قديماً.
سألتُه: «وش فيك؟»
«ما فيني شي.»
«أنت ترتجف.»
«اسكتي.»
«ورّني كيف.»
فكرة حمقاء؛ أدركتُ ذلك في اللحظة التي خرجت فيها الكلمات من فمي.
قطع الغرفة بخطوتين اثنتين. تراجعتُ متعثرة حتى ارتطمت بعمود السرير المقابل له. خشخشت السلسلة بين معصميّ، فأمسك بها وعلّقها فوق خطاف لم أنتبه لوجوده، مثبت في الخشب المنحوت على مستوى الكتف، فارتفعت ذراعاي قسراً إلى الأعلى.
«وش قاعد تسوي بالله؟!»
«أبقيكِ هنا.»
«هذا قفص!»
لم يجب. أسند إحدى يديه على العمود بجوار رأسي، وانحنى نحوي حتى أحسستُ بلفح حرارته يخترق معطفي الممزق. تقاطر العرق من فكه وسقط على عظمة ترقوتي. كان نبضي يدقّ بعنف شديد حتى أيقنتُ أنه يسمعه ملء أذنيه.
ثم دفن وجهه في ثنية عنقي، واستنشق بعمق.
سكن جسده كله فجأة.
توقف الارتجاف في يديه، وهبط كتفاه قليلاً متراخيين. وخرج من صدره صوت مكتوم خشن، كأنه أقرب إلى أنين متوجع أو نشيج مقموع؛ كأنه صوت رجل ظل غارقاً تحت الماء عامين كاملين، ثم طفا أخيراً فوق السطح ليتنفس.
خانني جسدي. وكيف لا يخون؟ خارت ركبتاي، ومال رأسي إلى الخلف دون إرادة مني. وتلك الندبة القديمة عند أسفل عنقي، التي شقّها بيده، والتي ما برحت تحترق في كل ليلة منذ المذبح، التهبت فجأة كالجمرة.
همستُ: «فاين». خرجت نبرتي كأنها رجاء، ومقتُّ ذلك أكثر من أي شيء آخر.
انساب ثغره على بشرتي حتى توقف عند الندبة تمامًا. أحسستُ بطرف أنيابه، حذرة ومروّعة في آنٍ واحد، بينما كانت أنفاسه تلفح عنقي كاللهيب.
قال وهو يهمس فوق موضع نبضي: «ما هو بقفص يا سيرافينا». كان صوته مبحوحًا متكسرًا، ثقيلًا بشعورٍ عجزتُ عن وصفه: «هذا فراشك».