Chapter 1 · الخرزة الرابعة
سبقتهم رائحة العود إلى المجلس قبل أن يدخلوا. طافت المبخرة من بابٍ إلى باب، وتغلغل الدخان في ثيابهم وأكتافهم واستقرّ هناك، ولم يحرّك أحدٌ منهم يده ليردّه.
جلستُ حيث اعتدتُ الجلوس طوال أربع سنوات، عند طرف السجادة، عبايتي مسدولة فوق ركبتيّ، وشيلتي ما زالت مثبتةً بمشبكها. جاء رجال العتيبي في العاشرة ليلاً دون سابق موعد، وكان أصغرهم يحمل ورقةً مطوية لم تفارق يده قط.
قال كبيرهم: «الالتزام... سيُعامل كأنه لم يكن». قالها موجّهاً كلامه للمجلس، لا لي: «قومي. ارجعي معنا الليلة».
لم ينظر أحدٌ إلى سعود، وذلك بحدّ ذاته نوعٌ من النظر.
برد فنجاني. لم أذق منه رشفةً منذ الطرقات الثانية على الباب؛ ركد الهيل في قاعه، داكناً كرأس مسمار. تُصبّ القهوة إلى ما دون النصف، أما قهوتي فنزلت إلى الربع ولم يُعد أحدٌ ملأها، لأن الدلّة وقفت عند يده ولم تتحرك بعدها.
«مها». اسمي، يخرج من أفواه أهلي، هادئاً رقيقاً، وذلك أدهى وأمرّ من رفعه بالصوت.
نظرتُ إلى كَمّ ثوب الرجل الجالس بجانبي. قطنٌ أبيض متماسك، خيط حياكةٍ وحيد يحيط بالمعصم، وكمّ تجعّد من طول الجلوس طوال النهار في مجالس الآخرين. تدلّت مسبحته ساكنةً بين أصابعه؛ ثلاث حبّات، دارت الرابعة، ثم وقفت.
ترقّب المجلس تلك الحبّة كأنها جملةٌ لم يتمّها بعد. نطق عمي اسم العائلة بتمهّل، مرتين، ليزيد من وطأة الصمت في الغرفة. كان بوسعي أن أقول: «سمّ يا عمي»، لكني سكتّ.
طافت المبخرة ثانية. بكفّي رفعتُ الدخان نحو ياقتي، بينما انقبضت يدي الأخرى على كمّي، على حاشية العباية، وظلّت هناك.
عندها جثا أصغرهم على ركبتيه ووضع الورقة على السجادة، وفردها بكلتا يديه، بالطريقة التي يبسط بها المرء شيئاً أُمر ألا يطويه. طقطقت ثنيتها. أدارها نحو الحاضرين، فلم يقرأها أحد، فأدارها نحوي.
بنودٌ كُتبت في أعمدة. وتاريخٌ يعود لثماني سنوات مضت. ومبلغٌ ذُيّل بحركة قلمٍ مجهدة في أسفل صفحة طويلة. وتحت ذلك كله، سطرٌ خُطّ بعرض الصفحة وتُرك فارغاً، لم يُكتب فيه شيءٌ بعد.
هنا كانت تكمن لياقتهم؛ لم يكتبوا اسمي، بل أحضروا القلم معهم.
قال كبيرهم: «كلمة أبيكِ في هذا الدفتر».
«كانت كلمة أبي في هذا الدفتر قبل أن أتعلّم القراءة».
«وما زالت كلمته».
قلت: «وما زال دفتره. لقد قطعتم طريقاً طويلاً لتسلّموني سند استلام».
رفع الأصغر بصره عند سماع ذلك، أما الكبير فلم يلتفت. فالرجال ذوو القلوب الباردة لا يحركون رؤوسهم لنصلٍ صغير؛ بل ينتظرون حداً أثقل.
تحدث عمي إلى السجادة، لا إليّ، وتلك شيمة الرجل حين يريد للجدران أن تردّد صدى كلامه: «بنت العتيبي لا تُستبقى في جناح رجلٍ آخر».
تُستبقى. كلمةٌ كلّفه إخراجها الكثير، فألقى بها في وسط المجلس وتركها لي كي ألتقطها.
قلت: «أكملوا الباقي. الدفتر مفتوحٌ بين أيديكم، فقولوا بقيّته أمام القهوة».
وضع الكبير إصبعين على الصفحة كي لا يطويها الأصغر. فالصفحة المفتوحة حجّة، وهو يعرف كيف يُمسك بالحجج.
قال: «قومي. تعالي معنا الليلة. يُشطب الدفتر عند بابنا، على مرأى من الشهود، ويُحرق. ولن يُطلب منكِ شيءٌ بعد ذلك. ولن يستطيع أحدٌ في الرياض أن يقول إن اسم العتيبي كان معلّقاً بذمّةٍ ولم يُوفِ بها».
«والمقعد؟»
«مقعدكِ موجود». قالها كأن وجود المقعد كرمٌ وفضل، ولعله كان كذلك في نظره: «ظلّ خالياً لأربع سنوات. وسيكون اسمكِ على ظهره قبل أن ينقضي الشهر».
نظرتُ إلى السطر الفارغ. فكرتُ في المقعد عند مائدتهم، وما الذي يجلس فوق كرسيٍ كُتب اسمك على ظهره. وفكرتُ في أربع سنوات قضيتها جالسةً عند طرف سجادةٍ لا يحمل شيءٌ فيها اسمي، وكم كان ذلك أخفّ على الروح بكثير.
بجانبي، لم تَعُد الحبّة للدوران. لم يتحرك ولن يبادر بالحركة؛ وضع صمته في الغرفة كأنه كرسي وتركه لي، إما أن أجلس عليه أو أدعه. كان ذلك كلّ جوابه، وتلك كانت شيمته كلها.
قال عمي: «الالتزام... ليس ديناً من مال».
فقلت: «إذاً احسبوه بشيءٍ آخر. المال على الأقل له رقم. أما أنتم فقد جئتموني بصفحةٍ وتاريخ، وقلتم لي إن اسماً سيُحرق عند بابكم. أيُّ يدٍ هي التي ستخطّ ذلك الحرق؟»
لم يجب أحدٌ على ذلك. ففي هذه الغرفة، اليد التي تكتب ليست أبداً اليد التي تظهر للعيان.
أتمّت المبخرة دورتها الثالثة. وشحب وجه الأصغر حتى صار بلون الجدار خلفه؛ كان في مثل العمر الذي كنتُ فيه حين كُتب ذلك التاريخ في الدفتر، وكانوا قد قالوا له إنها مشوارٌ قصير، ولم تكن كذلك.
هززتُ الفنجان مرةً واحدة، بحركةٍ خفيفة من معصمي، فارتفعت يد الصبّاب عن الدلّة.
قلت: «خلاص».
كفى. لم تكن الكلمة لهم، بل للقهوة.
لكن المجلس فهمها بالمعنى الذي أراد أن يسمعه؛ رفع الكبير أصابعه عن الصفحة وأذن للأصغر بطي الورقة، غير أن الطية التوت عند الزاوية واضطر للبدء من جديد.
قلت: «دعوا الدفتر مفتوحاً. لقد ظل مفتوحاً لثماني سنوات، وسيحتمل ليلةً أخرى».
نظر إليّ كما ينظر الرجل إلى بابٍ أُغلق من الداخل بالمزلاج، ولم يجد في جيبه ما يفتحه به.
ولم أقُم.
وهكذا لم ينصرفوا. ترك أكبرهم الورقة المطوية تستقر على السجاد بيننا، وعاد يخفض جسده نحو المسند الذي كان قد قام عنه، وقرفص أصغرهم بجانب ركبته واضعاً يديه على فخذيه، أما الذي كان واقفاً عند الباب فدخل وأغلقه، ثم وقف مسنداً ظهره إليه. لم يمد أحد منهم يده نحو حذائه عند العتبة. كانت أضواء البوابة ترسل وهجها البرتقالي الصغير الثابت فوق ممر السيارات، وبقيت السيارات رابضة حيث أوقفوها، مظلمة بمحركات مطفأة، ولم ينهض أحد ليديرها.
هكذا فهمت الأمر: لم يُوهب لي الليل بعد. لقد جاؤوا ليمكثوا فيه حتى أتحرك.