Chapter 2 · متكأ الأم
لم يرفع أخي الأكبر صوته، فما كان بحاجة إلى ذلك قط. وضع كفيه على ركبتيه ونهض، فأعاد المجلس ترتيب نفسه لمجرد وقوفه — أصغرهم سحب قدميه تحت المسند، والذي كان متكئاً على إطار الباب اعتدل في وقفته، واثنان من الفتية الذين جاؤوا معهم وجدوا في السجاد فجأة ما يستحق إطالة النظر.
مشى نحو الباب وفتحه بنفسه، وكان ذلك أول أمر ينال من هيبته تلك الليلة، فرجل في مقامه ينتظر دائماً يداً تمتد لتفتح له. ومن ورائه، كان الممر الخارجي يرقد تحت أضواء البوابة، والسيارات رابضة في مواقفها بمحركات باردة. السيارة الثانية كان بابها الخلفي مشرعاً، ومصباحها الداخلي يلقي مستطيلاً أصفر صغيراً فوق الحصى.
«انظروا»، قالها — لا لي، بل للمجلس ليشهد الجميع: «ها هو المقعد. ظل في تلك السيارة منذ ما قبل تجاوزنا نقطة التفتيش، ولم يضعه أحد هناك الليلة».
نظرت. وسادة استقرت مستوية على المقعد الخلفي، واحدة من وسائدنا، تلك المقلمة النفيسة التي كانت تستقر دوماً على الديوان المنخفض في مجلس أمي، حُملت إلى هناك لتراها عيني.
قال: «تعالي وخذي مكانكِ، وستكون الورقة التي على هذا السجاد كأن لم تكن؛ لا التزام، ولا اسم مكتوب في مواجهة اسمكِ، ولا أربع سنوات مضت. سيكون الأمر كأنه لم يحدث قط، وسأعلنها أمام هؤلاء الرجال، وكلمتي في هذا المجلس لها وزنها».
«وإن لم آخذه؟»
«حينها يحتفظ هذا البيت بما فيه». ترك كلماته تستقر في الصمت لحظة، ثم أردف: «نعود إلى بيتنا، ولا نعود إلى هنا بعدها أبداً».
بقيت يده على الباب، ومن ورائه ظل المصباح يضيء وسادة فارغة، صابراً كأنه دين مؤجل.
ثم قال: «لكنكِ ستقررين قبل أن تُصب القهوة، لا بعدها. فلن أرضى أن يُقال إننا أخرجنا امرأة من بيت قد وُضع فنجانه في يدها».
كان ذلك كل ما في الأمر، وقد أُحكم تدبيره بدقة؛ فالقهوة في هذه البلاد ليست مجرد شراب، بل هي ستر وميثاق، واللحظة التي تميل فيها الدلة لتصب في فنجان مخصص لي، سأكون في حما ضيافة أرسخ من أي حلف مكتوب، ولن يقدر أخٌ لي على إخراجي من تحت سقفها دون أن يثلم شيئاً من اسمه، وهو يعلم ذلك حق العلم، وما جاء إلى هنا إلا ليقف عند عتبة الباب ويراه الجميع وهو يعلم ذلك.
لم ألتفت نحو الجناح، ولم أنظر إلى الرجل المتصدر في صدر المجلس، ذاك الذي لم ينبس ببنت شفة منذ دخلوا، وكان سكونه يبلغ ما لا يبلغه صوت الأخ الأكبر.
قلت: «أحضرتَ مقعداً، لكنك لم تُحضر اسمي».
«مها».
«وسادة من مجلس أمي ليست اسماً؛ إنها مجرد أثاث، والأثاث يُحمل في السيارات». أبقيتُ صوتي خفيضاً، لأن النبرات الهادئة أبلغ في الوصول. «قطعتَ هذا الدرب الطويل لتعرض عليّ مقعداً في محوي وشطب وجودي».
«أنتِ تجعلين الأمر مسألة كبرياء».
«لا، بل أنت الذي جعلته مسألة أوراق، وأنا أرد على الورق». سويتُ عبايتي فوق ركبتي دون استعجال، كما عُلّمتُ أن أجلس في مجلس يحاول فيه أحدهم أن يساوم على اسمي نيابة عني. «قرأتُ كل سطر في تلك الورقة المطوية. لا تقول ما تدّعي أنها تقوله؛ فليس فيها بند يخص هذه الليلة، وليس فيها بند يلزم وقوفي وانصرافي. ما كُتبت قط لتراها عين امرأة، بل كُتبت لتُتلى في وجهها».
«إذن عودي إلى البيت وسنجعل من يقرؤها لكِ كما ينبغي».
«بواسطة من؟ بالعم الغائب عن هذا المجلس؟»
لم يحر جواباً، وساد صمت له ثقل، وأمسك الفتيان عن تفحص السجاد.
قال الأخ الأكبر أخيراً: «القهوة»، وأشار بيده إيماءة خفيفة في الهواء كأنه ضاق ذرعاً بالعبارة التي بناها: «مهلتكِ حتى تصب القهوة».
ترقب المجلس، ولم يتحرك أحد صوب المطبخ؛ فما من أحد في هذا البيت يتلقى أمراً من شقيق ضيف، وأدرك الأكبر ذلك بعد لحظة خاطفة من نطق كلماته، فاشتدت قبضته على حافة الباب.
قلت: «اطلبوا الدلة إذن».
خرجت كلماتي أخفت مما قصدت، فكان وقعها أشد وطأة في النفوس. رفع الأصغر بصره، ونظر الرجل الواقف عند العتبة وظهره للباب نحو أخي الأكبر. ولم يكن أخي الأكبر هو من رد عليّ، بل المجلس بكامله.
رفع الرجل المتصدر للمجلس إصبعين عن مسند مقعده ثم أعادهما، فخرج العامل الذي ظل واقفاً طوال ذلك الوقت عند القوس البعيد، وعاد بالدلة ومجموعة فناجين على صينية، وفاحت رائحة العود من المبخرة في الزاوية ممتزجة بشذا الهيل، دون أن ينطق أحد بحرف واحد.
صبّها من علوٍ كما تقتضي الأصول، فانكسرت القهوة في الفنجان الصغير واستقرت، وما جاوزت صبّته نصفه.
قدّم الفنجان أولاً لأخي الأكبر إكراماً لمقامه، فما مد الأكبر يده إليه.
ثم جاء به نحوي.
مددتُ يميني وتناولتُ الفنجان وقبضتُ عليه. كان ثمة تمر على حافة الصينية، فأخذتُ تمرة باليد عينها ولم آكلها، كي لا يشغل فمي شاغل.
قال الأكبر: «أربع سنوات... أربع سنوات وهذا ما انتهى إليه الأمر! تجلسين في مجلس رجل غريب وفنجانه في يدكِ».
«ليس غريباً، ولقد حرصتم جميعاً على أن تتأكدوا من ذلك».
«لن يستقبلكِ بيت عمتكِ بعد اليوم».
«إذن فلتكتب لي عمتي». أدرتُ الفنجان الصغير دورة واحدة: «لقد نلتَ جوابك، ونلته قبل أن تُصب القهوة تماماً كما طلبت. فعد به إلى بيتك، وخذ الوسادة معك أيضاً، فلن يصيبها في تلك السيارة سوى أن يهبط حشوها».
وقف عند عتبة الباب المفتوح لحظةً أخرى، وأضواء البوابة من خلفه والمصباح يتّقد فوق مقعدٍ خالٍ، وكانت هيبته كلّها تتجلّى في وقفته تلك، وكانت آخر عهده بها، وكان هو أيضاً يدري ذلك.
ثم أُدير البخور، فقرّبتُ الدخان بيدي الخالية نحو طرف طرحتي، وظلّ الباب مشرعاً، لم يغلقه أحد، ولم يغادر أحد.