Chapter 3 · مشطوب من السجل
دخل السجلّ محمولاً على كلتا يدَي الوكيل، وكان يحمله بالطريقة التي يحمل بها الرجل صينية القهوة، فعرفتُ ما بداخله قبل أن يضعه.
بقيت نَعلاه عند العتبة. عبر السجادة، ووضع الدفتر على الطاولة المنخفضة في وسط المجلس — لا في جهتي، ولا في جهة سعود، بل في المنتصف، حيث يسقط ضوء المصباح على الجلد المنقوش — ثم تراجع خطوة إلى الوراء وكتّف يديه.
«سيّدتي». أحنى رأسه نحوي. ثم أحناه، بانحناءة أقلّ عمقاً، نحو الرجل الجالس على الكرسي. «تستأذن العائلة في تلاوة هذا بالمجلس، قبل أن تنتهي القهوة».
قلتُ: «اقرأ. فالقهوة على وشك أن تنتهي».
فتحه عند شريط قماشي أخضر. خطّ كاتبٍ حسابات، وأعمدة وتواريخ تمتدّ لأربع سنوات، أُعيد حبرها مرتين في المواضع التي رقّ فيها الحبر.
قال: «البند: الالتزام المقيّد في الشهر الرابع، قبل أربع سنوات، باسم مها بنت...»
قلتُ: «دع والدي خارج القراءة. لقد كان أمامكم أربع سنين لتتعلّموا قول الباقي من دونه».
تحرّك فكّه مرّة ثم استقر. ثم قرأ، قرأ كلّ شيء، الحساب بأكمله لما كلفته وما كنتُ أستحقّه، وسمعه المجلس، والباب مشرع على مصراعيه، وكان بوسع الشارع أن يسمعه لو أراد.
قال: «في الليلة التي تخطو فيها خارج هذه العتبة، يُشطب القيد. ويُغلق الدفتر عليه. فلا يبقى عليها شيء مسجّل». التقط نَفَساً. «ولا يبقى لها شيء مسجّل».
ها هو ذا، مبسوطاً أمامنا بنصفيه، ولم يكن بحاجة إلى ذكاءٍ كي يجلبه.
قلتُ: «شطب». أدرتُ الفنجان الصغير ربع دورة على صحنه. «حملتَ دفتراً بسماكة أربع سنين عبر السجادة لتخبرني أن خطاً يمكن أن يُشطب به؟ الخط أمرٌ ضئيل جداً لتجلبه معك إلى مجلس».
«يا سيّدتي، لا تطلب العائلة أمراً ضئيلاً. إنها تعرض ما لن يعرضه عليكِ أحد في هذه الساعة».
قلتُ: «في هذه الساعة، أنت تعرض عليّ قلماً».
نظر إلى الباب المفتوح مرّة، فأدركتُ أن القراءة كان من المفترض أن تتمّ خلف باب مغلق، وأنه لا أحد بصدد إغلاقه الآن.
قلتُ: «يدُ مَن تمسك القلم؟»
«اليد التي تمسك الدفتر».
«إذاً أودّ رؤية الصفحة. ليس الشطب، بل الصفحة قبل الشطب». وضعتُ الفنجان. «أودّ أن أرى كم أساوي من الحبر في نظر العائلة، بخط يدهم، قبل أن يسحبوه مجدداً».
لم يقلب الصفحة. بقيت يداه عند حواف الجلد، بالطريقة التي يمسك بها رجلٌ شيئاً أُمِر بألا يدعه يسقط.
أدار سعود فنجانه مرّة، ثم وضعه، ولم يقل شيئاً، وكان صمته ذاك أعلى ما في المجلس صوتاً. اتجهت نظرات الوكيل نحوه ثم ارتدّت إليّ فلم تجد عوناً، وتلك كانت الغاية منه برمّتها.
قال الوكيل: «بيت عمّتكِ لن يستقبلكِ. هذا ليس كلامي أنا، بل كلامهم هم».
قلتُ: «كلمة قويّة. أتمنى أن تصمد تحت السقف الذي قيلت فيه».
احمرّ وجهه: «لقد صبرت العائلة».
«صبرت العائلة أربع سنين وكانت صادقة في أمسية واحدة. وأنا أرى أيّ الأمرين كان أثقل كلفة عليها».
ثم فعل الشيء الذي جاء لأجله وظلّ يدور حوله طوال المساء؛ بسط كفّه اليمنى على النصف المغلق من السجل، ونطق بالأمر كله جهراً — السند، والمحو، والعتبة، والليلة — واستشهد المجلس، كأنما عتبة الباب قاعة محكمة.
قال سعود دون أن يرفع رأسه: «تقدر تعيد هالكلام عليّ».
سكت الوكيل. نظر إلى المصباح، والباب المفتوح، والدفتر، وفي النهاية رفع يده عن الجلد.
دارت المبخرة مجدداً معلّقة بسلسلتها. وجّهتُ الدخان بيدي الطليقة نحو طرف طرحتي، ومضى الرجل الذي يحملها إلى المتكأ التالي فالذي يليه، وتنفّس المجلس ريح العود وترقّب إن كنتُ سأقف.
لم أقف. بسطتُ كفي على الصفحة المفتوحة، في وسط المجلس، حيث يطالها ضوء المصباح، وتركتها هناك وقتاً كافياً ليفهم الجميع.
قلتُ: «دعه مفتوحاً. سيبقى الدفتر مكانه حتى الصباح. وإن كان هناك خطّ سيُشطب به اسمي، فأودّ أن يرى أهل المجلس اليد التي تخطّه».
انحنى الوكيل وتناول نعليه عند العتبة، فقلتُ: «يعطيك العافية»؛ لأن اللباقة لا تكلّف شيئاً، ولأنها آخر ما لا يزال بعض الرجال يعرفون كيف يردّون عليه.
ردّ التحية. ثم خرج تحت أضواء البوابة، وبقي الباب مشرعاً وراءه، ولم يغلقه أحد.