رجوع

لن أعود الليلة

0%

Chapter 4 · دم على التراب

لن أعود الليلة Chapter 4

ترك عمي للصمت أن يعمل لصالحه قبل أن ينهض؛ استند بيدٍ على ذراع المقعد، وبالأخرى سوّى صدر ثوبه، ثم تريّث وقفةً طالت بما يكفي حتى يلتفت وينظر أبعدُ متّكأ في المجلس.

«يا عمّي»، قلتها، وأعطيته الكلمة حقّها وقدرها.

لم يردّ التحية بمثلها، بل التفت إلى الحاضرين عِوَضاً عن ذلك؛ وتلك هي الطريقة التي يُفصح بها الرجل عما يضمره لامرأة دون أن يواجهها به وجهاً لوجه.

تكلّم عن بيت أبي؛ تكلّم عنه كأنما البيت يُورث كما يُورث الدَّين، وعن اسمي كأنه حجرة في ذلك البيت ظلّ يكنسها ويحفظها لي. ومرتين نعتني بـ «البنت»؛ مرّةً للرجال الجالسين عن يمينه، الذين جاؤوا في سيارته وظلّت عيونهم شاخصة في فناجيلهم، ومرّةً للمجلس برمّته. قال إن هذا السقف ليس بظلّ بيت أبي، وإن المرأة التي تقيم تحت سقفٍ لم يبنه أبوها تجرّ دماء نسبها وراءها في التراب، وذلك التراب لا يزول أثره أبداً.

وفي المرّة الثالثة التي قال فيها «البنت»، وضعتُ فنجاني على الصينية النحاسية. للخزف رنّة خفيفة، لكنه سمعها. نظر إليّ حينها، وكان ذلك كلّ ما أردته منه.

«مكانها»، قال وهو لا يزال يوجّه كلامه إليهم، «في دار أبيها. لا على هذا المتّكأ، ولا ويدها مبسوطة على دفتر حسابات رجلٍ آخر».

أبقيتُ يدي مكانها، على الصفحة المفتوحة، في وسط المجلس، حيث ينالها ضوء المصباح.

قلت: «يا عمّي، قُلها للمتّكأ الذي أجلس عليه. لستُ بنداً في قائمة حسابك يحمله أربعة رجال وسيارة إلى خارج المجلس».

شيخ المجلس وأكبرهم سنّاً، الجالس في صدر المكان وتنساب بين أصابعه سبحة كهرمان، نطق بكلامٍ هادئ عن الصبر وعن صلة الدم، وعن أن الليل طويل والقهوة طيّبة. أجبته بالاحترام الذي يفرضه وقار سنّه، دون زيادة. أمال رأسه وعاد إلى سبحته، فأدركتُ أنه قد استنفد جملته الوحيدة المخصصة لكلينا.

كان مع عمي ورقة. وبالطبع معه ورقة؛ فالرجال من شاكلته يدخلون المجلس ومعهم ورقة كما يدخل غيرهم بسعلة. رفعها دون أن يفتحها، وذلك ما يفعله الرجل حين لا تكون الورقة هي المقصد، بل نبرة صوته.

قال: «هذا الالتزام... سيُعدّ كأن لم يكن. هذه الليلة. إن خرجت معنا من تلك البوابة».

قلت: «إذاً فلا حاجة لورقة. ما لم يحدث قط لا تُنهيه وثيقة. ائتِ بها إليّ عند الفجر وسأقرؤها أمام هذا المجلس، وسيرى المجلس أيّنا يؤمن حقاً بأنه قد حدث أصلاً».

لم يضحك أحد. لكن الرجل الجالس إلى يسار المجلس وضع فنجانه دون أن يشرب منه، فاضطر القهوجي الحامل للدلّة أن يلتفّ من حوله ليبلغ اليد التالية.

لم يتكلم سعود، ولم يقف كذلك. أدار فنجانه ربع دورة على الصينية، فكفّ القهوجي عن الصبّ ومضى في سبيله، وكان ذلك كلّ ما ظفر به المجلس منه؛ لا جواب، ولا حُكم أُطلق بالنيابة عني، ولا شيء يمكن أن يُلقى في وجهي لاحقاً ويُقال لي إنني قد قبلتُ به سلفاً. وكنت ممتنة لذلك بطريقةٍ يعجز عمي، الذي قضى عمره والآخرون يلبّون له ويتكلمون عنه، عن فهمها.

قال عمي: «ستأتين عند الفجر». لم يكن كلامه سؤالاً، ولا كان تهديداً صريحاً، وهو ما يجعله أشدّ وطأة وأسوأ.

قلت: «سأكون هنا عند الفجر. هذا الدفتر سيظلّ مفتوحاً حتى الصباح. تعالَ وانظر بنفسك».

نظر إلى الصفحة تحت يدي كما ينظر رجلٌ إلى جدارٍ شُيّد حيث كان يتوقع باباً. ثم شال طرف ثوبه وخرج، وتبعه رجاله، وكان القيّم قد توارى بالفعل تحت أضواء البوابة، فلم يكن هناك أحدٌ عند العتبة ليُصرخ في وجهه، وعَدَدتُ ذلك رحمةً بهذا البيت.

ظلّ الباب مفتوحاً وراءهم كما تركوه. دخل هواء الليل فمال بدخان البخور جانباً، ومعه تسرّب عبق العود خارج المجلس، وسأل أحدهم في أقصى المكان عمّا إذا كان ينبغي أن تُدار القهوة من جديد.

قلت: «صُبّوها... فما زال الدفتر مفتوحاً».